مقال يفيض بنوستالجيا التلفزيون القديم ولمة العائلة | بقلم هنري ماكسويل
في العاشرة من صباح أول أيام العيد، أقف في شرفتي، أحتضن كوب الشاي، وأستنشق هواءً يحمل رائحة الماضي. أترك ضجيج الشارع من خلفي، وأعود إلى غرفة المعيشة، لأتأمل تلك الشاشة السوداء المعلقة على الحائط. شاشة ذكية، متصلة بشبكة الإنترنت، وتضم آلاف القنوات التي تبث ملايين الساعات من المحتوى، ومع ذلك، أقف أمامها شاعرًا بفراغ روحي يكسر القلب، وحنين جارف إلى زمن لم نكن نملك فيه سوى قناتين فقط!
نحن، أبناء الستينيات، جيل تفتحت مداركه في أواخر ذلك العقد، وعاش مراهقته وشبابه في السبعينيات والثمانينيات. جيل لم يعرف أجهزة التحكم عن بُعد -الريموت كنترول- ولم يذق رفاهية الاختيار اللانهائي.
في ذلك الزمان، كان التلفزيون يتربع في صدر الصالون أو غرفة المعيشة داخل صندوق خشبي أنيق، وله أبواب جرارة تُغلق بمفتاح نحاسي، ولا ننسى الهوائي -الإريال- الذي يتربع فوق السطح، والذي كان يحتاج إلى هندسة دقيقة وصياح متبادل بين السطح والشرفة لضبط الإرسال.
في ذلك العصر الذهبي، لم يكن هناك مجال للعبث أو الإسفاف. كانت مشاهدة التلفزيون طقسًا يجمع العائلة كلها كتفًا بكتف على أريكة واحدة. هل تذكرون سهرة الأربعاء العظيمة؟ برنامج "اخترنا لك" الذي كان يمثل نافذتنا الساحرة والمدهشة على العالم الخارجي؛ يقدم لنا روائع الفن العالمي، وجولات المصارعة الحرة، وعروض السيرك، وألحانًا أجنبيةً. كانت المتعة تكمن في "الانتظار"، وفي "المفاجأة"، قبل أن يصبح كل شيء متاحًا ومبتذلًا بضغطة زر.
هل يمكن لعقلنا أن ينسى سهرة السبت مع "نادي السينما"، وصوت الدكتورة "درية شرف الدين"، و"يوسف شريف رزق الله" وهما يشرحان لنا أبعاد الفيلم وكأننا في قاعة محاضرات؟ لقد كان التلفزيون يربينا حرفيًّا. نشأنا مع موسيقى برنامج "عالم الحيوان" وصوت محمود سلطان الدافئ، ومع ماما عفاف في "سينما الأطفال"، ولا ننسى برنامج "حياتي" للراقية "فايزة واصف"، وصوت الناي الشجي في افتتاحية برنامج "العلم والإيمان" للعبقري "مصطفى محمود". كانت برامج تُصنع باحترام لعقل المشاهد، لا تستخف به، ولا تتسول انتباهه بالفضائح أو الصراخ.
أما المسلسلات، لم تكن مجرد دراما لملء الفراغ، بل كانت قطعًا من الأدب الرفيع. هل تذكرون كيف كانت الشوارع في مصر تخلو تمامًا من المارة، وكأن حظر تجول اختياريًّا قد فُرض فجأةً، بمجرد أن تبدأ شارة مسلسل "رأفت الهجان" وموسيقى "عمار الشريعي" الخالدة؟ كنا نجلس نشاهده، ونحن نشعر بالوطنية تسري في عروقنا سريان الدم.
بكينا جميعًا مع "بابا عبده" في مسلسل "أبنائي الأعزاء.. شكرًا"، وتعلمنا من العملاق "عبد المنعم مدبولي" معنى الأبوة الممزوجة بالكرامة. وكنا نتابع رائعة "أسامة أنور عكاشة" "الشهد والدموع"، فنتعلم كيف تنتصر الفطرة النقية في النهاية. عشنا مع "ليالي الحلمية"، ذلك السفر التاريخي العظيم، وكيف ننسى "رحلة السيد أبو العلا البشري"، و"محمود مرسي" يجسد شخصية "دون كيشوت" المصري الذي حاول أن يواجه طواحين المادية المتوحشة بمبادئه المثالية القادمة من زمن الفرسان؟
أولئك العمالقة كتابًا، ومخرجين، وممثلين لم يكونوا يلهثون خلف انتشار زائف. كانوا يغوصون في الحارة المصرية، يكتبون أدبًا راقيًا، ويقدمون لنا شخصيات من لحم ودم تشبه آباءنا وأمهاتنا. كانوا يحترمون عقولنا احترامًا عميقًا، فخلدوا في ذاكرتنا إلى الأبد. وبالطبع، أنا أدرك تمامًا أن هناك مئات المسلسلات، ومئات العمالقة، ومئات البرامج العمالقة التي لم أذكرها، وذلك لضيق المساحة.
قد تظن يا صديقي أن استدعاء هذه الذكريات يبعث على الحزن أو الرثاء المحبط لزمن مضى، لكنه ليس كذلك أبدًا! بل هو "وثيقة امتنان". نحن يجب أن نكون في قمة السعادة لأننا عشنا هذا الزمن.
لا تبتئس لأن ذلك الصندوق الخشبي قد اختفى، بل افرح وابتسم لأن ذائقتك الفنية قد تشكلت على يد هؤلاء العمالقة، ولأن وجدانك قد ارتوى بماء الفن الصافي قبل أن يتلوث النهر.
نحن نحمل في داخلنا كنزًا لا يُقدر بثمن؛ كنز اللمة الدافئة حول الشاشة الصغيرة، وذكريات جيل عرف معنى الرقي، واحترام الكلمة، وقيمة الأسرة. طالما أننا نتذكرهم، وطالما أن موسيقى تتراتهم لا تزال تعزف في رؤوسنا لتثير شجنًا عذبًا، فهم أحياء، ونحن بخير.
كل عيد وأنتم تحملون في صدوركم صندوق دنيا جميلًا ومضيئًا، وكل عام وذكرياتكم الدافئة هي أبهى عيديةٍ تسكن إليها أرواحكم.
أضع بين أيديكم هذه الروابط، عساها توقظ ذكرياتٍ دافئةً، وترد إلى قلوبكم أيامًا عزيزةً مضت: