عندما كتبت رواية "انالين"، التزمت بالجانب الذي يمكن للعقل تقبله. السرد الروائي، مهما كان جامحًا، يحتاج إلى منطق يربطه ببعضه. ولكن الواقع؟ الواقع لا يهتم بالمنطق.
ما سأذكره في هذا الملف لم يُطبع في صفحات الرواية نظرًا لخطورته، ولعدم وجود دليل مادي ملموس أستطيع تقديمه للمحكمة أو للناشر. ما أملكه هو "تقرير طبيب شرعي" يعود لفترة السبعينات، يخص جثة أحد ضحايا القضية الحقيقية التي ألهمت الرواية. لقد حصلت على نسخة من هذا التقرير عبر مصدر موثوق للغاية داخل الشرطة الفرنسية، فضل عدم الكشف عن هويته.
هذا التقرير هو السبب الحقيقي وراء إغلاق القضية بطريقة غير متوقعة، وإخفائها في الأرشيف المظلم تحت بند "غير مفسر".
لقد قرأت التقرير مرارًا وتكرارًا. الطبيب الشرعي الذي كتبه كان من أكفأ الأطباء في مجاله، وأنا أثق في مهنيته كل الثقة. ولم يكن وحده في هذا الرأي؛ فقد أكد لي شرطيان متقاعدان، كانا يعملان في القضية آنذاك، صحة هذا الكلام.
التقيت بهما في مقهى صغير بضواحي باريس، وأكدا لي بصوت يرتجف أن الضحايا سقطوا صرعى أمام العشرات، والدماء تنزف منهم لحظة الإطلاق، لكن التشريح أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن وظائفهم الحيوية كانت قد توقفت قبل الحادث بساعات طويلة.
كتب الطبيب في ختام تقريره عبارة تسببت في إنهاء مسيرته المهنية: "وقت الوفاة يسبق وقت الإصابة. هذا مستحيل علمياً، ولكنه ما تقوله الجثة أمامي."
تم سحب التقرير فوراً، وفُصل الطبيب بدعوى "الإجهاد والاضطراب العقلي"، وأُغلق الملف لعدم كفاية الأدلة المنطقية. لكن السؤال ظل يطارد كل من لمس هذا الملف، بمن فيهم أنا: كيف تقتل شبحاً؟ وهل ما رآه الناس يمشي في الشارع ذلك المساء كان بشرًا من لحم ودم حقًا؟
رواية "انالين" هي محاولتي لفهم ما حدث. لكن هذا التقرير.. هو الحقيقة المرعبة التي ترفض أن تموت؛ الحقيقة التي لم أشأ أن آخذ روايتي إلى ذلك المنعطف، حتى لو كان شيقًا.