لماذا فعلتِ هذا بنا
يا بسنت

مقال اجتماعي يدمي القلب عن غياب الرحمة، الوحدة، وقسوة الأحكام الافتراضية | بقلم هنري ماكسويل

كنت بصدد كتابة قصة رومانسية، أمسكت بقلمي ودونت السطور الأولى، وفجأة دق جرس الهاتف. كان على الطرف الآخر أحد المعارف يصرخ بكلمات متسارعة:

"أسرع يا هنري، افتح الرابط الذي أرسلته لك!".

نقرت على الرابط، لأفاجأ بفتاة شابة تتحدث عبر بث مباشر، تقف في شرفة شقتها. كنت أنظر إليها وعقلي يرفض استيعاب المشهد، لكنه كان يتشرب ببطء شديد مرارة كلماتها. ضربني إحساس خفي بأنها على وشك اتخاذ قرار سيغير نظرتي للحياة بأكملها، لكنني لم أتخيل للحظة أنني سأكون شاهداً حياً على حادثة إنهاء حياة.

الأمر لم يكن مجرد حادثة انتحار لبسنت؛ بل كان "انتحاراً لمجتمع بأسره". لقد نزع سقوط بسنت القناع عن وجوهنا جميعاً، وتركنا مفضوحين نقف في العراء التام. كنت أراها عبر الشاشة طفلة خائفة، تتحدث وكأنها تبحث بعينيها عن منقذ. لم تلقِ بنفسها فجأة في تلك الليلة، بل استمر البث قرابة الساعة، حتى اقتربت الساعة من الثانية والنصف فجراً.

وحسب ما نُشر من معلومات عبر الصحفيين والمصادر المطلعة على تفاصيل حياتها، فقد تكالب عليها الزمان بأبشع صوره؛ باختصار، لقد تعرضت بسنت لظروف لا يحتملها بشر إلا وانهار.

صدقوني، هي لم تكن تريد الموت، كانت تريد أن يمد أحدنا يده إليها. كانت تقف مترددة، تخاطب الناس، تستغيث بصمت، ولم يتحرك أحد قيد أنملة! لم يفكر أحد في أن يرفع سماعة الهاتف ليتصل بالشرطة لعلها تلحق بها وتنقذها، فقررت التخلص من حياتها هربًا من أحمال ناءت بحملها.

المأساة لم تنتهِ عند القفز، بل بدأت فصولها الأبشع بعدها. للأسف، نصب البعض أنفسهم قضاة؛ قرروا وأصدروا أحكامهم القاطعة بأنها ذاهبة إلى الجحيم، وكأن بينهم وبين الله عهداً لا نعرفه! وتناسوا أن أحدًا لا يملك مفاتيح الجنة أو النار.

أود أن أسأل هؤلاء الذين يقسمون بكل ما هو مقدس على هلاكها، ألم تقرأوا عن المرأة التي دخلت النار في هرة؟ امرأة لم تنتحر، لم تسرق، لم تزنِ، ولم تقتل، بل حبست قطة، لم تطعمها ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض، فدخلت النار لأنها "لم ترحم".

الرحمة يا سادة هي الجوهر، الإنسانية هي الأساس. لقد نسي هؤلاء "القضاة الافتراضيون" أن كل سورة في القرآن الكريم تُفتتح بـ "بسم الله الرحمن الرحيم"، وأن الله كتب على نفسه الرحمة، وقال في كتابه العزيز لنبيه الكريم:

"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"

ولم تقتصر رسالة الرحمة على دين بعينه، بل هي صرخة السماء في كل الأديان. ففي الإنجيل نجد السيد المسيح يحذرنا بوضوح من تنصيب أنفسنا آلهة وقضاة حين قال:

(لا تدينوا لكي لا تدانوا)

وأمرنا بالرحمة المطلقة قائلا:

(فكونوا رحماء كما أن أباكم أيضا رحيم)

دعونا نعترف، نحن من دفعنا بسنت للقفز. تركناها تصارع الوحدة، والقهر، والمرض النفسي الذي التهم روحها ببطء. أتحدث هنا من زاوية إنسانية بحتة، فهذا ما يعنيني الآن. أما القوانين والمحاكم، فمن المؤكد أن دماءها لن تمر بسهولة، وهناك من هم أقدر مني على استرداد حق هذه الفتاة التي تمثل صرخة آلاف النساء، اللواتي يمررن بنفس المعاناة.

لقد تركت بسنت طفلتين لتواجه طواحين الحياة، وتركتنا نحن نواجه عجزنا وقسوتنا. وكما بدأت مقالي بصدمة، أنهيه بسؤال سيظل يتردد في أروقة ضمائرنا إلى الأبد:

لماذا فعلتِ هذا بنا يا بسنت؟ هنري ماكسويل