المزرعة

عندما تتحول الطبيعة إلى فخ... والمدينة إلى حصاد

اسمي عمر. أعمل مهندس تصميمات إنشائية في مكتب استشاري بوسط القاهرة. كانت حياتي تسير في خط مستقيم، لا مفاجآت فيه. أذهب إلى عملي، أحتسي قهوتي، أراجع الرسومات، وأطالع عناوين الجرائد التي لا تحمل غالبًا إلا أخبارًا مكررة. وربما كان الشيء الوحيد اللافت في تلك الفترة هو الأخبار المتناثرة عن اختفاء عدد من المهندسين، والأطباء، والفنيين في ظروف غامضة، من دون أن يتركوا أثرًا خلفهم. لكن في مدينة ضخمة كتلك، تستطيع حتى حوادث الاختفاء أن تتحول إلى سطور باردة في صحيفة، تقرؤها بلامبالاة، ما دمت تعيش داخل فقاعتك الآمنة.

إلى أن تلقيت ذلك الاتصال الهاتفي في ظهيرة يوم عادي.

كان المتصل عميلًا مختلفًا تمامًا عن كل من تعاملت معهم من قبل. جاء إلى مكتبي وجلس أمامي بهدوء، ثم طلب مني ببساطة أن أصمم له ثلاث مزارع ضخمة. وضع أمامي مساحات الأراضي والخرائط الأولية وبعض الملاحظات عن توزيع الفراغات وشبكات البنية التحتية، ثم ترك لي حرية التخطيط كاملة.

صممت المشروع كما طلب، ولم أكن أعرف وقتها أن تلك الخطوة ستغير حياتي من أكثر من جانب. أول ما تغير كان وضعي المادي، فقد دفع الرجل أتعابًا سخية فاقت كل توقعاتي، ثم استمر في تحويل مبالغ إضافية مقابل تعديلات واستشارات. أما الأغرب من المال فكان تلك الصداقة التي نشأت بيني وبينه، صداقة غير مفهومة مع رجل لا يشبه أحدًا ممن عرفتهم.

بعد انتهاء المشروع عدت إلى مكتبي. ظننت أن الأمر انتهى. صفقة رابحة، ضربة حظ استثنائية، ثم تعود الحياة إلى مللها القديم، إلى القهوة، والرسومات، وأخبار الجرائد.

ثم ظهرت نور.

جاءت إلى الشركة كمهندسة معمارية حديثة التخرج. ومنذ اللحظة الأولى التي رأيتها فيها شعرت أن بها شيئًا مختلفًا. كانت عيناها لامعتين، وفي خطواتها خفة تجعلها تبدو؛ وكأنها لا تلمس الأرض. في البداية بقيت علاقتنا مهنية تمامًا. كنت أراجع تصميماتها، وأشرح لها أن ذلك القوس الجميل سيكلف ثروة في التنفيذ، وأن النوافذ الواسعة التي تحبها لا تصلح دائمًا لطبيعة الرياح في مواقعنا. وكانت تستمع إليّ بابتسامة غامضة، لا أعرف هل هي موافقة أم سخرية رقيقة.

في إحدى الليالي اضطررنا إلى البقاء في المكتب حتى ساعة متأخرة لإنهاء مشروع عاجل. تفرع الحديث بيننا، فاكتشفت خلف تلك الفتاة عقلًا يقظًا وروحًا جميلة. ووسط ضوء المكتب الباهت، وأنا أراقب يدها وهي ترسم خطًا فوق الورق، وجدت نفسي أسقط بهدوء في الفخ القديم نفسه: الحب.

تطورت الأمور بيننا بسرعة. بدأنا نسرق الوقت من يومنا المزدحم لنلتقي. كنا نمشي في شوارع وسط البلد بلا هدف واضح، وكانت تجرني من يدي إلى دور السينما القديمة، أو نختبئ في مقهى صغير في خان الخليلي، حيث تتحدث هي عن أحلامها، وأكتفي أنا بالنظر إليها، متسائلًا كيف عشت كل تلك السنوات من دون هذا الوجه.

عندما تأكدت من مشاعري صارحتها برغبتي في التقدم لخطبتها. أضاء وجهها بفرحة طفولية، ووعدتني بأن تتحدث مع أبيها في أقرب وقت.

بعد أسبوع جاءتني بالرد. قالت إن والدها، وهو رجل أعمال ثري طلب أن يقابلني في عطلة نهاية الأسبوع في منزله الريفي الخاص على طريق مصر الإسكندرية الصحراوي.

❊❊❊

صباح الجمعة استيقظت باكرًا. كان الطقس خريفيًا متقلبًا، والشمس تختبئ خلف سحب رمادية رقيقة. ارتديت ملابس تجمع بين الأناقة والعملية، تناسب زيارة ريفية لا أعرف طبيعتها، ثم انطلقت بسيارتي نحو الطريق الصحراوي.

كنت أقود وأنا أرتب في رأسي الكلمات التي سأقولها لوالدها. كيف أقدم نفسي؟ كيف أبدو جادًا من غير تكلف؟ كيف أشرح له أنني أحب ابنته فعلًا؟ كل هذه الأسئلة ظلت تدور في رأسي، بينما كان هناك شعور آخر، أهدأ وأثقل، يتسلل من مكان عميق في صدري.

ذلك الشعور الذي نسميه نحن المصريين: القلب المقبوض.

بعد قيادة استمرت نحو ساعة وربع وصلت إلى الإحداثيات التي أرسلتها نور. انحرفت عن الطريق الرئيسي، وسلكت مدقًا ترابيًا ضيقًا يتلوى وسط تلال رملية صغيرة. في نهاية المدق ظهرت الأسوار.

لم تكن أسوار منزل ريفي. كانت أقرب إلى حصن قديم. سور ضخم، وبوابة حديدية عالية، وأشجار كافور تقف حول المكان كحراس صامتين. توقفت أمام البوابة وأطلقت بوق السيارة. بعد لحظات بدأت البوابة تنفتح ببطء شديد، لتكشف عن عالم لا علاقة له بالصحراء المحيطة به.

في الداخل كانت هناك واحة خضراء. اصطفت الأشجار على جانبي الطريق الداخلي الممهد بالحصى، وامتدت مساحات العشب الأخضر في انتظام مبالغ فيه، تتخللها أحواض زهور غريبة الألوان. كان كل شيء مصممًا بدقة. لا ورقة شجر في غير مكانها، لا عشب خارج حدوده، لا ظل زائد ولا فراغ عشوائي. كمال مفرط. كأن الطبيعة هنا لا تنمو، بل تنفذ الأوامر.

أوقفت السيارة أمام فيلا مبنية على طراز أوروبي. وما إن خرجت حتى رأيت نور تركض نحوي بابتسامتها المشرقة. خلفها كان يسير رجل طويل القامة، شعره فضي، يرتدي ملابس ريفية أنيقة، ويمسك في يده عصا خشبية.

اقترب مني ومد يده مصافحًا. كانت قبضته قوية كقطعة رخام. نظر إليّ بعينين حادتين لا ترمشان، ثم قال بصوت هادئ:

"أهلًا بك يا بشمهندس في المزرعة."

مرت الساعات الأولى من الزيارة بسلاسة مدهشة. أخذني والد نور في جولة طويلة داخل الأرض. كان يتحدث باهتمام عن النباتات النادرة التي يستورد بذورها، وعن نظام الري المعقد، وعن طرق التحكم في الرطوبة والحرارة والتربة. وكمهندس، وجدت نفسي منجذبًا رغمًا عني إلى التفاصيل الفنية التي يشرحها.

لكن شيئًا ما ظل ناقصًا.

رائحة الهواء كانت مشبعة بعطر زهري ثقيل. الأرض تحت قدمي كانت رخوة بطريقة غير مريحة، كأن تحتها ماءً راكدًا لا يريد أحد أن يراه. أما العمال القلائل الذين قابلناهم، فكانت وجوههم فارغة على نحو غريب. يتحركون بصمت، لا يرفعون أعينهم عن الأرض، ولا يردون إلا بإيماءات قصيرة.

حاولت أن أطرد تلك الهواجس من رأسي. قلت لنفسي إنني أتوتر بلا سبب. إنها زيارة عائلية، لا تحقيق جنائي.

عند العصر قادنا والدها إلى مساحة مفتوحة مخصصة للشواء. كان هناك فرن حجري يتصاعد منه دخان الفحم، ورائحة اللحم المشوي تمتزج برائحة الزهور الثقيلة. جلسنا نتناول الطعام ونتبادل الحديث. كان الرجل لبقًا، واسع المعرفة، يعرف كيف يجعل ضيفه يشعر بأنه محل تقدير.

ومضى الوقت من دون أن أشعر. ثم بدأت الشمس تميل نحو المغيب.

مع أول خيط ظلام تغير وجه المكان. اختفى اللون الأخضر الزاهي، وحل محله سواد كئيب. استطالت ظلال الأشجار فوق الأرض كأصابع تبحث عما تمسك به. انخفضت درجة الحرارة فجأة، ومر على وجهي هواء شديد البرودة يحمل رائحة تراب رطب وعفن قديم.

نظرت إلى ساعتي، وأدركت أن الوقت حان للعودة.

نهضت من مقعدي، ورسمت على وجهي ابتسامة مهذبة، ثم قلت لوالد نور:

"لقد كان يومًا لا ينسى فعلًا. أشكركم على الاستضافة الكريمة، لكن يجب أن أستأذن الآن. الطريق الصحراوي ليلًا ليس مزحة، ولدي عمل مبكر غدًا."

تبادل الأب نظرة سريعة مع نور. كانت خاطفة، لكنها لم تمر عليّ. ثم أومأ بهدوء وقال:

"كما تشاء. رافقتك السلامة. أوصليه إلى سيارته يا نور."

سارت معي نور إلى حيث تركت سيارتي بجوار البوابة. كانت أقل كلامًا من المعتاد. حاولت أن أسألها إن كان هناك ما يضايقها، لكنها ابتسمت ابتسامة صغيرة لا ترى.

ودعتها بكلمات رقيقة، ووعدتها أن أتصل فور وصولي. ركبت السيارة، أغلقت الباب، وأخذت نفسًا عميقًا. أدخلت المفتاح في مكانه، وأدرته.

صدر من المحرك أنين مكتوم، ثم صمت.

لم تعمل السيارة.

سيارتي حديثة نسبيًا، ولم تخذلني من قبل، وقد أجريت لها الصيانة منذ أسبوعين فقط. حاولت مرة ثانية، ثم ثالثة، ثم رابعة. لا شيء. فقط تكة جافة من المارش، كأن البطارية استنزفت فجأة.

نزلت من السيارة، ورفعت غطاء المحرك، مستعينًا بكشاف هاتفي. بدت التوصيلات سليمة. لا تسريب. لا قطع ظاهر. لا شيء يمكن تفسيره. كل شيء في مكانه، ومع ذلك كانت السيارة ترفض الحياة.

في تلك اللحظة شعرت ببرودة تسري في أطرافي، كان ذلك الإحساس الغريزي بأنك لم تعد وحدك.

سمعت خطوات هادئة تقترب فوق الحصى. خطوة وراء خطوة.

استدرت بسرعة، ووجهت ضوء الهاتف نحو مصدر الصوت.

كان والد نور يقف على بعد خطوات قليلة. لم أسمعه وهو يقترب. ولم تكن نور موجودة بجانبه. كان نصف وجهه غارقًا في الظلام، بينما أضاء ضوء الهاتف عينيه الرماديتين اللتين بدتا أوسع من اللازم، وأبرد من اللازم.

اختفت من وجهه تمامًا تلك الوداعة الأبوية التي ارتداها طوال اليوم. بقيت ملامح صلبة، ساكنة، كأنها نحتت من حجر قديم. ابتسم ابتسامة ميتة، لم تتحرك فيها إلا زوايا شفتيه.

قال بصوت منخفض:

"يبدو أن السيارات تخذلنا دائمًا عندما نكون في أمس الحاجة إليها يا بشمهندس. لا تجهد نفسك الآن. الظلام هنا يبتلع كل شيء، وطريق العودة إلى القاهرة أخطر مما تتخيل. اتركها حتى الصباح. نم هنا الليلة."

لم يكن أمامي خيار حقيقي.

وافقت على المبيت، وأنا أشعر أن الكلمة خرجت من فمي قبل أن أملك حق الاعتراض عليها. وفي لحظة واحدة عاد القناع الودود إلى وجه الرجل، كأن شيئًا لم يكن. أشار بيده نحو الفيلا، وسرنا معًا.

كانت نور تمشي بجواري، لكنها لم تكن نور التي أعرفها. كانت صامتة، عيناها مثبتتان في الأرض، وخطواتها بطيئة وثقيلة.

دخلنا إلى بهو الفيلا. قادني الأب عبر ممر طويل في الطابق الثاني، تغطيه سجاجيد داكنة تمتص صوت الخطوات بالكامل. كان الصمت هناك كثيفًا، لدرجة جعلتني أسمع أنفاسي بوضوح. توقفنا عند باب خشبي ثقيل في نهاية الممر.

فتح الباب، ودخل أولًا، ثم أضاء مصباحًا صغيرًا في السقف. أشار لي بالدخول وقال:

"هذه غرفتك الليلة. ارتح الآن. فالغد يحمل الكثير."

لم تنطق نور بكلمة. اكتفت بنظرة خاطفة نحوي. لم أفهمها وقتها. هل كانت اعتذارًا؟ شفقة؟ تحذيرًا؟ أم وداعًا أخيرًا؟

قبل أن أجد إجابة، أغلق الباب خلفهما. سمعت خطواتهما تبتعد في الممر، خطوة بعد خطوة، حتى ابتلعها الصمت.

بقيت وحدي في الغرفة.

كانت واسعة أكثر مما ينبغي، ولا تحتوي إلا على سرير قديم في المنتصف، وخزانة خشبية متهالكة في الزاوية تبدو كأنها تابوت قائم. الجدران عارية، مطلية بلون مقبض، والهواء مشبع برائحة الزهور الذابلة. كانت هناك رائحة أخرى أعمق، رائحة لا تخطئها الذاكرة، رائحة شيء تُرك طويلًا للموت.

اقتربت من الجدران. لم يكن الأمر مجرد غرفة للضيوف. هندستها كانت غريبة. الجدران سميكة أكثر من المعتاد، السقف مرتفع، والباب ثقيل كأنه صمم ليفصل الداخل عن العالم لا ليحفظ الخصوصية. كمهندس، شعرت فورًا أن المكان بني لغرض واحد: العزل.

كانت هناك نافذة وحيدة، زجاجية ضخمة، مغلقة بإحكام، تطل على الجزء الخلفي من المزرعة. اقتربت منها ومسحت التراب عن الزجاج البارد، ثم نظرت إلى الخارج.

كان المشهد بسيطًا في تكوينه، لكنه مرعب بطريقة لا أعرف كيف أصفها. لا أضواء صناعية، لا حركة بشرية، لا صوت. فقط ضوء قمر شاحب ينسكب فوق مساحات شاسعة من المزروعات والحشائش العالية، التي تفوق قامة الإنسان. وقفت الأشجار العملاقة على حواف الحقول، أغصانها العارية تتشابك في السماء كأصابع تحاول تمزيق الغيوم. لم يكن المشهد ريفيًا هادئًا. كان أقرب إلى لوحة رسمها فنان فقد عقله قبل أن يفرغ من آخر ضربة فرشاة.

ثم سمعتها. أصوات غريبة تأتي من الخارج وتتسلل عبر شقوق النافذة. في البداية ظننتها هلوسات سمعية صنعها الإرهاق والتوتر، لكن الأصوات أخذت تزداد وضوحًا. لم يكن صوت الرياح. الرياح لها عشوائية مألوفة، أما هذا الصوت فكان مختلفًا.

كان هناك احتكاك عال، كأن كتلة ضخمة تسقط فوق العشب الجاف، تليه طقطقة خافتة لسيقان النباتات وهي تنكسر تحت ثقل لا يرى. ثم جاء صوت رطب، عميق، يشبه لهاثًا بطيئًا يخرج من صدر هائل، أو كأن الأرض نفسها صارت تمتلك رئتين تتنفسان بصعوبة.

قفزت من السرير وقد تسارعت ضربات قلبي. اندفعت نحو النافذة. ترددت لحظة واحدة، ثم فتحت المزلاج المعدني ودفعت الدرفتين إلى الخارج.

لفحني هواء ليلي شديد البرودة، يحمل رائحة عفن خانقة، مزيجًا من مستنقع راكد، ودم قديم.

حدقت في الظلام، الحشائش العالية كانت تتحرك، لكنها لم تكن تميل بفعل الريح. فالهواء كان ساكنًا تمامًا، والأشجار لم تحرك ورقة واحدة. لم تكن الحشائش تتحرك كأمواج، بل كانت تنشق بعنف، كما ينشق الماء أمام مقدمة سفينة ضخمة.

كان مسار الحركة يتلوى وسط المحاصيل، يتوقف أحيانًا كأن من يصنعه يرفع رأسه ليتشمم الهواء، ثم يعود فيزحف من جديد. رأيت سيقان النباتات تنفصل بقوة وتندفع يمينًا ويسارًا، ثم تنهرس نحو الأرض بشدة، تاركة خلفها أثرًا واضحًا كأن جرافة غير مرئية تشق طريقها في الحقل الأسود.

كان المسار يتجه ببطء نحو الفيلا. نحو الجدار الخارجي الذي تقع نافذتي فوقه مباشرة.

تراجعت ببطء. كان عقلي يرفض ما تراه عيناي، يحاول يائسًا أن يجد تفسيرًا يليق بالعالم الذي أعرفه. حيوان بري؟ مستحيل. لا توجد هنا حيوانات بهذا الحجم. آلة زراعية تعمل عن بعد؟ مستحيل أيضًا. الحركة مترددة، متعرجة، حية.

ساد صمت قصير. ثم بدأ الصوت على الجدار. احتكاك خشن، لزج، يزحف ببطء فوق الحجارة. صوت التصاق كتلة رخوة هائلة بالواجهة، مصحوبًا بأنفاس ثقيلة مكتومة ورائحة كاوتش محترق، اختلط بعفن المقابر.

كان الشيء يتسلق الجدار، قاصدًا نافذتي. لم أنتظر لأرى ما سيظهر خلف الزجاج. اندفعت نحو الباب، وضعت يدي على المقبض وأدرته بعنف.

لم يتحرك. دفعته بكتفي بكل ما أوتيت من قوة. ظل ثابتًا كالجدار نفسه. لقد تم إقفاله من الخارج. لم أكن ضيفًا. كنت سجينًا.

في تلك اللحظة، وسط الظلام وبرودة الغرفة التي أخذت تتسرب إلى عظامي، حدث تحول غريب داخلي. تبخر الذعر الأولي، وحل محله هدوء بارد. هدوء رجل يعرف أن الانهيار وشيك، وأن الصراخ لن يغير شيئًا. أخرجت هاتفي، أضأت الكشاف، وبدأت أفحص الغرفة بسرعة.

ذهبت إلى الخزانة الخشبية المتهالكة في الزاوية. فتحت أبوابها، فأطلقت صريرًا طويلًا. كانت فارغة تمامًا، لكن شيئًا في تصميمها لم يكن صحيحًا. نقرت بأصابعي على اللوح الخلفي. جاء الصوت مجوفًا.

كمهندس، أعرف جيدًا أبعاد الغرف، وأعرف حين يخفي الجدار فراغًا وراءه. المسافة بين ظهر الخزانة والجدار الأصلي لا تقل عن نصف متر. أخذت أتحسس الحواف الخشبية، أبحث عن مفصلة أو قفل مخفي، حتى تعثرت أصابعي ببروز معدني صغير أسفل الرف السفلي. ضغطت عليه.

انزلق اللوح الخلفي للخزانة بسلاسة، كاشفًا عن ممر ضيق مظلم يهبط عبر سلم حلزوني.

في اللحظة نفسها سمعت زجاج النافذة يئن تحت ضغط هائل. ظهر ظل ضخم يحجب ضوء القمر، ظل بلا شكل محدد، كتلة تتلوى وتنبض خارج قوانين الطبيعة.

لم أنظر خلفي. دخلت الممر السري وأغلقت اللوح الخشبي من الداخل، لأجد نفسي في نفق خانق لا يتسع إلا لشخص واحد، ظلامه كثيف، ورائحته حادة كالمواد الكيميائية.

هبطت السلم الحلزوني بحذر، وأنا أعد الدرجات في رأسي. عشرون. ثلاثون. أربعون. هذا يعني أنني تجاوزت الطابق الأول ووصلت إلى مستوى القبو، وربما إلى ما هو أعمق. انتهى السلم عند باب حديدي صغير نصف مفتوح، يتسرب منه ضوء خافت بلون بنفسجي مريض، ومعه همهمة تشبه طنين محولات كهربائية ضخمة.

دفعت الباب ودخلت. ما رأيته هناك أوقف أنفاسي.

لم يكن قبوًا لتخزين المحاصيل أو النبيذ. كانت قاعة هائلة، جدرانها مغطاة بشبكة معقدة من الأنابيب الزجاجية السميكة، تضخ سائلًا لزجًا مضيئًا بلون بنفسجي غريب. لون لا يشبه ضوءًا طبيعيًا. كانت الأنابيب كلها تتجمع في بؤرة مركزية، حيث توجد حفرة دائرية ضخمة محفورة في الأرضية، تنبعث منها الهمهمة نفسها، وتتصاعد منها أبخرة باردة.

على جانب القاعة كان هناك مكتب معدني كبير، تتناثر فوقه خرائط ومخططات ضخمة. اقتربت منها وسلطت ضوء هاتفي.

كانت هذه تصميمات المزرعة. المزرعة بأكملها، بتوزيع أشجارها ومسارات المياه والسور الحجري العالي، مصممة على هيئة رمز سداسي معقد، تقع بؤرته في هذه الفيلا، وتحديدًا في هذا القبو. الأنابيب لا تضخ الماء إلى النباتات، بل تسحب شيئًا آخر. عصارة. طاقة. حياة. ربما من الأرض، وربما من الكيان القابع في الحفرة. لذلك كان كل شيء في الخارج أخضر بهذا الشكل الزائف. لذلك بدت الطبيعة كأنها مطيعة أكثر مما ينبغي.

بحثت بين الأوراق، حتى وجدت دفتر مذكرات بغلاف جلدي أسود. فتحته بيد مرتجفة. لم تكن الصفحات تحمل حسابات زراعية، بل تواريخ زيارات وأسماء. مهندسون. أطباء. محاسبون شباب. أسماء تشبه تلك التي قرأتها في الجرائد خلال الشهور الماضية. بجوار كل اسم ملاحظات باردة: معدل الاستجابة، جودة الطاقة، فترة الاستدامة.

ثم رأيت اسمي. كان الاسم الأخير في القائمة المفتوحة.

"لقد كانوا أذكياء جدًا. لكنهم لم يكونوا بذكائك يا عمر."

انتفضت واستدرت. كانت نور تقف في الظل قرب الباب الحديدي.

لكنها لم تكن نور التي أحببتها. كان وجهها شاحبًا كوجه ميت لم يقرر بعد أن يترك الحياة، وعيناها اللتان كانتا تفيضان بالحياة صارتا فارغتين، تعكسان اللون البنفسجي المتسرب من الأنابيب. كانت ترتدي ثوبًا أبيض فضفاضًا، وبدا جسدها نحيلًا إلى حد جعل الأوردة تكاد تظهر تحت الجلد.

خرج صوتي مبحوحًا:

"نور؟ ما هذا المكان؟ ماذا يحدث هنا؟"

ابتسمت ابتسامة حزينة، وتقدمت نحوي بخطوات بدت كأنها تطفو فوق الأرض.

"هذا هو السبب الذي يجعل نباتاتنا لا تموت. والسبب الذي يجعلني أتنفس حتى الآن."

تراجعت خطوة فاصطدمت بحافة المكتب.

"أنت مريضة؟ وما هذا الشيء في الحفرة؟"

نظرت إلى الحفرة في منتصف القاعة، وقالت بصوت خافت:

"منذ سنوات سقط شيء من السماء في هذه الأرض. نيزك، أو هكذا ظن أبي. لكنه لم يكن صخرة. كان بذرة. بذرة لكيان لا ينتمي إلى عالمنا، كائن يتغذى على طاقة الحياة، على الوعي، على المشاعر المعقدة. في البداية التهم أمي. ثم بدأ يمتص حياتي ببطء. كنت أحتضر يا عمر. الأطباء في القاهرة قالوا إنني سأموت بمرض لا اسم له، مرض يدمر الجسد من الداخل."

توقفت لتلتقط أنفاسها. كانت رائحتها لم تعد عطرها المألوف، بل رائحة خريف بارد وموت صامت.

"أبي لم يستطع أن يتحمل فكرة فقداني. اكتشف أن الكيان يمكن تهدئته إذا قدم له قرابين بديلة. عقول حية. ذكية. ممتلئة بالطاقة. حين يشبع يفرز هذه العصارة البنفسجية التي تسري في أوردتي وتمنحني شهورًا إضافية. لذلك كان يبحث دائمًا عن أصحاب العقول اللامعة. يدرسهم. يختبرهم. ثم يدفعني إليهم."

سكتت لحظة، ثم قالت وهي تنظر إليّ لأول مرة بعينيها المكسورتين:

"لكن الأمر معك كان مختلفًا. أقسم لك."

انهار العالم حولي. كل شيء كان كذبة. ابتسامتها، لقاءاتنا، خروجاتنا، الحب الذي ظننته انتشالًا من رتابة حياتي، لم يكن إلا طعمًا في صنارة. فخًا هندسيًا متقنًا لاصطياد فريسة تلائم آلة الموت هذه.

صرخت فيها:

"كنت تخدعينني. كنت تستدرجينني لأصبح وقودًا لهذا الشيء."

نزلت من عينها دمعة بنفسجية.

"في البداية، نعم. كنت ضحية جديدة. لكنني أحببتك فعلًا يا عمر. أحببت عقلك، هدوءك، طريقتك في رؤية العالم. لم أرد أن تنتهي هنا. حاولت أن أقنع أبي بأن يبحث عن غيرك، لكنه رأى فيك طاقة تكفيني لسنوات. هو يعتقد أنك الهبة الكبرى. والشيء الذي زحف إلى غرفتك لم يكن إلا امتدادًا للكيان، مجسًا استشعاريًا يمهد للوجبة الرئيسية."

فجأة دوت ضحكة عالية في القبو.

التفت فرأيت والدها يقف عند المدخل، يرتدي معطفًا أسود طويلًا، وعيناه تلمعان بقسوة. كان يمسك في يده جهاز تحكم معقد.

قال وهو يتقدم:

"عاطفة الفتيات تفسد دائمًا أروع اللحظات."

ثم نظر إليّ وأضاف:

"لقد أثبت ذكاءك يا بشمهندس. هربت من الغرفة، واكتشفت غرفة التحكم الرئيسية. لكن هذا لا يغير شيئًا. الانهيار حتمي."

ضغط زرًا في الجهاز.

فجأة ارتفع طنين الأنابيب حتى صار زئيرًا يصم الآذان. الحفرة المركزية بدأت تفيض بالضوء، وارتفعت درجة الحرارة في القبو بجنون. شعرت كأن عقلي يُعصر من الداخل، كأن آلاف الإبر المغناطيسية تخترق جمجمتي. لم يكن الكيان ماديًا كما نتخيل المادة. كان طيفًا من الألوان، يتشكل ويتلوى فوق الحفرة، ألوان تهاجم العصب البصري مباشرة، تجعل الإنسان يرى كوابيسه معلقة في الهواء.

صرخ الأب وسط الضجيج:

"إنه جائع يا عمر. لقد استهلك الكثير من الطاقة ليصنع وهم الحديقة المثالية التي رأيتها اليوم. وهو الآن بحاجة إلى عقلك ليعيد بناء نفسه."

كنت أترنح من الألم، لكن غريزة البقاء لدي لا تموت بسهولة. أدركت أن هذا النظام، مهما بدا ماورائيًا، يعمل وفق قواعد. أنابيب. ضغط. حرارة. تبريد. تذكرت المخططات التي رأيتها منذ دقائق. السائل البنفسجي شديد التفاعل، وتبريد الكيان يعتمد على مضخات النيتروجين خلف المكتب.

لم أفكر مرتين.

أمسكت كرسيًا معدنيًا ثقيلًا بجوار المكتب، وبكل ما تبقى لي من قوة قذفته نحو مجموعة الأنابيب الرئيسية المتصلة بصمامات التبريد.

تحطم الزجاج بدوي هائل. تناثر السائل المشع في كل اتجاه، واختلط بغاز النيتروجين شديد البرودة الذي اندفع كشلال أبيض من الأنابيب المكسورة. حدث تفاعل عنيف. تصاعدت سحب كثيفة من الدخان الخانق، ثم توالت انفجارات متتابعة في نظام الضغط.

صرخ الأب بهلع وهو يرى كل شيء ينهار. ركض نحو صمامات الطوارئ، لكن أحد الأنابيب العلوية انفجر فوقه، وغمره بسائل حارق أسقطه أرضًا وهو يصرخ بألم شديد. في الوقت نفسه بدأت الجدران تتصدع، واضطربت الكتلة الغازية فوق الحفرة بعنف، تطلق ومضات من الضوء كأنها تصرخ في صمت.

نظرت إلى نور.

كانت ملقاة على الأرض، تتنفس بصعوبة. التدمير الذي أحدثته قطع عنها شريان الحياة الذي يربطها بالكيان. توقف الزمن بالنسبة لي في تلك اللحظة. رغم الرعب، ورغم الخيانة، لم أستطع أن أتركها تموت في تلك الحفرة.

ركضت نحوها، أمسكت بذراعها، وحاولت أن أرفعها.

صرخت وسط الانفجارات:

"يجب أن نخرج من هنا. البناء ينهار."

نظرت إليّ بعينين دامعتين، وابتسمت ابتسامة امتنان صافية، خالية هذه المرة من كل ظل.

"لا أستطيع يا عمر. إذا خرجت من هذا النطاق سأموت فورًا. جسدي لم يعد بشريًا بالكامل. اهرب أنت. اهرب ولا تنظر خلفك."

تركتها. لا أعلم حتى الآن إن كنت قد تركتها لأنني صدقتها، أم لأن الجزء الذي أحبها داخلي مات في تلك اللحظة.

صعدت السلم الحلزوني. لم أقفز من النافذة. لم أهرب كفريسة مذعورة. خرجت من البوابة الرئيسية للفيلا المشتعلة، أراقب النيران وهي تلتهم كل أثر لنور ووالدها ومزرعتهم.

لم أنتظر سيارة الشرطة.

على الجانب الآخر من المدق الترابي، بعيدًا عن لسان اللهب، كانت تقف سيارة صالون سوداء فاخرة، مطفأة المصابيح، تبدو كقطعة من الليل استقرت فوق الرمال.

مشيت نحوها. فُتح الباب الخلفي وحده. جلست في المقعد الوثير، واستنشقت رائحة الجلد الطبيعي، ممزوجة برائحة أوزون خفيفة جدًا. رائحة مألوفة. رائحة "سيدي".

لم يكن هناك أحد في المقعد الأمامي. لكن الصوت جاء من كل مكان حولي. صوت لا يسمع بالأذن، بل يتردد مباشرة داخل الجمجمة.

"لقد أديت المهمة بدقة مثيرة للإعجاب يا عمر. الأرض الآن نظيفة من دنس المنافس العجوز وسلالته الغبية."

انحنيت برأسي قليلًا، وأجبت بصوت هادئ. صوت الخادم الذي أنجز عمل سيده.

"لقد كان مجرد تصميم أولي، سيدي. الانهيار كان محتومًا. التربة الآن جاهزة."

ساد صمت ثقيل. ثم اهتز الهواء داخل السيارة بالصوت مرة أخرى.

"المرحلة الثانية. التوسع. المدينة مزدحمة جدًا بالوعي العشوائي والطاقة غير المستغلة. نحتاج إلى تنظيمها."

ابتسمت. وكانت تلك الابتسامة هي التصميم النهائي لحياتي الجديدة.

"لقد أعددت المخططات بالفعل، سيدي. لن تكون مجرد مزرعة واحدة. سنزرع المزارع في كل حي، في كل مربع سكني، وفوق الأسطح. كل مزرعة ستحتوي على بذرة من كينونتك، وشبكة الأعصاب البشرية في المدينة ستكون نظام الري الجديد. سنحول المدينة الكبيرة إلى حديقة، تتغذى على عقول ساكنيها ببطء."

عبرت السيارة السوداء الطريق الصحراوي نحو المدينة، تاركة خلفها حريقًا صغيرًا في الصحراء. حريق سيبدو في الصباح كحادث ماس كهربائي عادي في مزرعة مهجورة.

لكن الرعب الحقيقي كان على وشك أن يبدأ في قلب المدينة.

بعد ستة أشهر، كانت المدينة تضج بحياتها المعتادة. أبواق السيارات، صياح الباعة، ورائحة العوادم التي بدأت تختلط في الآونة الأخيرة بعطر غريب، عطر عشب مبتل، وزهور لا يعرف أحد من أين جاءت. كان جميلًا أكثر مما ينبغي، ثقيلًا أكثر مما ينبغي، يدفع الناس إلى استنشاقه بعمق، ثم يتركهم أكثر هدوءًا مما كانوا.

كانت المدينة تعيش حمى انتخابات المجالس المحلية. الجدران، أعمدة الإنارة، واجهات العمارات القديمة في وسط البلد، كلها اختفت تقريبًا تحت طبقات من الدعاية والملصقات.

لكن ملصقًا واحدًا كان يفرض حضوره على المشهد.

في منتصفه كانت صورتي. كنت أرتدي بدلة زرقاء داكنة، وابتسامة مطمئنة، وعينين تبدوان في ضوء النهار عاديتين تمامًا. فقط من يطيل النظر، من يملك الصبر أو سوء الحظ، قد يلمح في عمقهما ومضة بنفسجية صغيرة، دائرية، تنبض ببطء.

وتحت الصورة كُتب الشعار الذي صممته بنفسي:

(معًا نزرع المستقبل.)

توقف رجل أمام الملصق، ثم ابتسم كمن وجد أخيرًا سببًا للأمل.

قال لصاحبه:

"هذا الرجل يبدو مختلفًا. المدينة فعلًا تحتاج إلى من يزرع فيها الحياة."

مررت بسيارتي السوداء في تلك اللحظة. رأيتهما من خلف الزجاج، وابتسمت.

لكن الابتسامة لم تكن لي.

كانت تخص "سيدي".

لقد بدأت زراعة المدينة.

والجميع، بلا استثناء، سيشاركون في الري.

هنري ماكسويل