مقال اجتماعي صريح عن ثقافة لوم الضحية، والتدخل الإيجابي | بقلم هنري ماكسويل
أجلس في شرفتي أراقب الشارع، أرى فتاة تمر في حال سبيلها، تسرع الخطى ناظرةً إلى الأرض، تضم حقيبتها إلى صدرها كأنها درع واقٍ. وما هي إلا ثوانٍ، حتى يظهر على الناصية شابان، تتحول عيونهما إلى خناجر جائعة تنهش جسدها المرتجف، ويلاحقانها بهمهمات وعبارات لزجة تثير الغثيان. مشهد نراه دائمًا، واعتدناه حتى صار جزءًا من حياتنا.
في كل مرة تقع فيها حادثة تحرش، ينصب المجتمع سيركًا عبثيًّا، ويقيم "محاكم تفتيش" قاسيةً لمناقشة الحادثة. المشكلة أننا دائمًا نختار المتهم الخطأ!
لا أحد ينظر إلى الدنيء الذي قرر أن يتخلى عن مروءته ويتحول إلى ذئب كاسر. بل تتجه كل العيون، وكل أصابع الاتهام، نحو "الفريسة".
وتبدأ الأسئلة المعتادة: ماذا كانت ترتدي؟ لماذا تسير في هذا الشارع أصلًا؟ هل كانت تضع عطرًا نفاذًا؟
نضع الضحية تحت المجهر، ونبحث للمتحرش عن مئة عذر وعذر، وكأن لسان حالنا يقول: "لقد أغرت الكائن البريء، فمن حقه أن ينهشها!". هذا المنطق المعوج يخبرك بمنتهى البساطة أن "اللحم" هو المخطئ لأنه أغرى "السكين"!هذا العبث دفعني لفتح شبكة الإنترنت، هربًا من تنظير الحمقى، لأرى كيف يتعامل العالم مع هذه الكارثة الأخلاقية. قرأت أحدث الأبحاث والإحصائيات الصادرة في أمريكا وبريطانيا لعامي 2024 و2025. هل تعلم ماذا وجدت؟
في تقرير حديث جدًّا صدر عن معهد "نيوكومب" بجامعة تولين الأمريكية لعام 2024، تبين أن 82% من النساء في الولايات المتحدة تعرضن للتحرش، معظمهن في الأماكن العامة.
وفي بريطانيا، أظهرت تقارير مؤتمر نقابات العمال لعام 2024 واستطلاعات حديثة لعام 2025 أن أكثر من 58% من النساء تعرضن للمضايقات في بيئة العمل وحدها، ناهيك عن الشارع!
ماذا تعني هذه الأرقام المرعبة؟
تعني ببساطة سقوط حجتنا الواهية الكاذبة سقوطًا مدويًّا. في الغرب، لا توجد قيود مجتمعية صارمة على الملابس، ومع ذلك تتعرض النساء للتحرش بنسب مفزعة. وفي بلادنا، قد تمشي المرأة مرتديةً "الخمار" ولا يظهر منها إلا عينيها، ومع ذلك تسمع أقذر الكلمات.
المشكلة إذن ليست في ملابس "الفريسة" أبدًا.. المشكلة في انحطاط "الذئب".
تؤكد أبحاث علم الاجتماع الحديثة أن التحرش ليس غريزةً جائعةً تبحث عن إشباع، بل هو ممارسة لـ "السلطة" المريضة، ورغبة دنيئة في إهانة كائن أضعف واستعراضًا للقوة الفارغة.
لم أجد دراسةً واحدةً في جامعة "أكسفورد" أو "تولين" تقيس طول تنورة الضحية لتحديد نسبة الخطأ عليها. الغرب تجاوز هذه السخافات، وركزت أحدث أبحاثهم على ما يُطلق عليه مصطلح "التدخل الإيجابي للمارة".
تؤكد الأبحاث الغربية أن التحرش ينمو ويترعرع في "بيئة الصمت". المتحرش كائن شديد الجبن، يرتكب جريمته لأنه يراهن رهانًا مضمونًا على أن أحدًا لن يتدخل، وأن الناس سيكتفون بالمشاهدة السلبية. الأبحاث تقول صراحةً: إن الحل الجذري لإيقاف التحرش هو "تدريب المجتمع" على التدخل الإيجابي الفوري. أن يقف المارة حائطًا منيعًا لحماية الضحية، وأن يتم فضح المتحرش علنًا وفي اللحظة ذاتها. الذئب لا يخاف من الفريسة، بل يرتعد رعبًا من القطيع إذا اتحد ضده.
جلست متأملًا هذه "الاكتشافات" الحديثة، وابتسمت بمرارة. نحن ننبهر بهذه الأبحاث التي تُنفق عليها ملايين الدولارات، ونسينا أن الأديان السماوية كافة قد وضعت هذا الدستور العظيم منذ آلاف السنين!
نظرية "تدخل المارة" التي يتباهى بها علماء الاجتماع اليوم، أليست هي التطبيق الحرفي لجوهر الإيمان في كل الأديان؟ حماية الضعيف، والوقوف في وجه الظالم، ورفض السلبية؟
التدخل الإيجابي لنصرة المظلوم ليس ابتكارًا أجنبيًّا، بل هو صميم الوصايا الإلهية والأخلاق الدينية التي هجرناها لنكتفي بمشاهدة الفضائح في الشوارع، أو تصويرها بهواتفنا المحمولة لنشرها حصدًا لـ (الإعجابات)!
كل الأديان بلا استثناء تحرم وتجرم هذا الفعل المشين، وتضع المسؤولية كاملةً على "الناظر" لا على "المنظور إليه". في الإسلام والمسيحية واليهودية وكل رسالة سماوية، نجد الأمر الحاسم للرجل بغض البصر، وحفظ النفس، واحترام قدسية الجسد البشري.
كيف نوقف هذا العبث إذن؟
أولًا، يجب أن ننسف ثقافة "لوم الضحية" نسفًا كاملًا. المتحرش مجرم، ولص يسرق الأمان، والمجرم لا عذر له ولا مبرر أبدًا.
ثانيًا، نحتاج إلى قانون أعمى يضرب بيد من حديد. المتلصص والمتحرش لو أدرك أن هناك قانونًا صارمًا سيزج به في غياهب السجن، ويفضحه مجتمعيًّا بلا أية فرصة للتصالح، لفكر ألف مرة قبل أن يفتح فمه أو يمد يده.
ثالثًا، الكارثة تبدأ من البيوت. نحن نربي أبناءنا الذكور بطريقة معوجة. نربي "إمبراطورًا" صغيرًا، تُغفر له كل خطاياه لأنه "رجل لا يعيبه شيء"، بينما نغرس الرعب في قلب أخته. يجب أن نربي رجالًا حقًّا.. رجالًا يعرفون أن الرجولة تعني الحماية، والنبل، والمروءة، لا استعراض القوة والوقاحة على فتاة تمشي وحيدةً في شارع مظلم.
في المرة القادمة التي ترى فيها متحرشًا، لا تسأل الفتاة عما كانت ترتديه، ولا تدر ظهرك وتسرع في مشيتك باحثًا عن السلامة الشخصية.. بل انظر في المرآة واسأل نفسك: هل أنا إنسان حر يرفض الظلم وأحمل في عنقي أمانةً دينيةً ومروءةً، أم مجرد كومبارس ومتواطئ صامت في تلك المسرحية السخيفة؟