بقلم هنري ماكسويل
اسمي "جيف"، مجرد شرطي أمضى جزءًا من حياته في هذه القرية.
أجلس وحيدًا الآن على هذه الأريكة الخشبية في قلب المتنزه لأتحدث اليكم، فطوال سنوات خدمتي هنا رأت عيناي الكثير، وسمعت أذني الكثير، لكنني أنا هنا اليوم لأبوح لكم بأقوى قصة حب عرفتها، تفاصيلها تتجاوز حدود العقل والمنطق، لتقف على عتبة المعجزات.
ولأن حكاية كهذه لابد وأن تدون، فقد نذرت نفسي لكتابتها بأدق تفاصيلها في كتاب، والآن سأتنحى جانبًا، وأدعكم تقلبون الصفحة الأولى، لتقرأوها كما حدثت تمامًا.
في أحضان الريف الإنجليزي، ترقد قرية "كاسل كومب"، حدودها تبدو وكأنها رسمت بريشة فنان من عصر النهضة. قرية صغيرة، لا تبعد سوى بضعة أميال عن مدينة "تشيبنهام" المجاورة.
كانت الشمس في طريقها للرحيل. وقبل موعد الغروب، تلونت السماء بمزيج ساحر من البنفسجي والبرتقالي الناعم وانسدل الضوء على أسطح منازلها الطوبية الحمراء، ليضفي على المنتزه العام هالة من السكينة.
في قلب هذا المشهد الآسر، وتحت ظلال شجرة البلوط، جلست "هيلين".
رغم بلوغها السبعين، إلا أنها كانت تتوهج بجمال فريد. كانت ترتدي معطفًا أنيقًا، وتضع مساحيق تجميل بألوان هادئة، جلست تضع ساقًا على ساق، تستند بظهرها إلى الأريكة الخشبية، وتدير عينيها في أرجاء المكان بهدوء.
اقترب منها فتى وفتاة في أوائل العشرينيات من عمرهما. كانا يتأملانها على استحياء، تتردد خطواتهما، وتتشابك أيديهما بخجل، قبل أن يستجمعا شجاعتهما ويتقدما نحوها. قالت الفتاة باحترام:
"مساء الخير سيدة هيلين، كيف حالكِ؟ هل لنا أن نحظى بتوقيعكِ على هذا الأوتوجراف؟"ابتسمت هيلين ابتسامة حنونة أضاءت وجهها، ونظرت إليهما متسائلة برقة:
"منذ متى وأنتما تحبان بعضكما؟"أجاب الفتى وقد توردت وجنتاه:
"لم يمضِ على تعارفنا أكثر من أسبوع يا سيدتي، ولكن، لابد أن نأخذ توقيعكِ. فمن دونه لا تكتمل بدايتنا ولن نشعر بالتفاؤل، الجميع هنا يعلم أن من يحظى بتوقيعكِ يُكلل حبه بالزواج."اتسعت ابتسامتها، وتناولت الدفتر والقلم. وبحركة انسيابية اعتادت عليها لعقود، خطت توقيعها المميز أسفل الصفحة. أعادت إليهما الدفتر، فطارا به فرحًا وكأنهما حصلًا للتو على صكٍ للسعادة الأبدية. لم يكن إيمان العشاق بتوقيعها من فراغ، فكل من نال توقيعها في تلك القرية، انتهى به المطاف تحت قوس الزفاف.
لم يكن هذا المشهد غريبًا. فبينما كانت الشمس تواصل انحدارها ببطء، توالى على مقعدها العشاق. اقترب زوجان آخران، ثم تبعهم مراهقون، حتى أن رجلاً وامرأة في منتصف الأربعينيات قدما وطلبا التوقيع بذات اللهفة. أربعة أزواج مروا بها في غضون وقت قصير، يغادرون مقعدها محملين بالسعادة بفضل تلك الأيقونة الحية.
وبينما كانت تعيد هندمة معطفها، لاح من بعيد الشرطي "جيف"، في دوريته المسائية المعتادة. كان يمشي متمهلًا يتفقد أمن المتنزه. حين اقترب من أريكتها، توقف وانحنى قليلًا بأدب شديد:
"مساءً الخير سيدة هيلين، كيف حالكِ اليوم؟"أومأت برأسها في هدوء تام وأجابت:
"على ما يرام يا جيف، هل رأيته اليوم؟"توقف جيف للحظة، جال بنظره في المنتزه الخالي، ثم نظر إليها، وقال:
"أعتقد أنه ربما يحضر قريبًا، أو ربما يتأخر قليلاً. على العموم، أنا سأكون في الجوار، فلا تقلقي أبدًا، عندما يحضر، سأخبركِ فورًا، هذه عادتنا اليومية."مضى جيف ليكمل جولته الروتينية بين الممرات المكسوة بأوراق الشجر. وبعد ربع ساعة تقريبًا، عاد أدراجه ليقف أمام مقعدها مجددًا، مبتسمًا:
"سأستريح بجانبكِ قليلاً، سيدة هيلين." "مرحباً بك دائماً يا جيف،"أجابت وهي تفسح له مكانًا.
جلس جيف، وأسند ذراعيه على ركبتيه، متأملاً ملامحها المضاءة ببقايا الغروب لبرهة قبل أن يقول:
"سيدة هيلين، الكل في القرية يعرف قصتكِ. أنتِ لست مجرد سيدة، أنتِ أيقونة الحب في البلاد. لطالما حكت لي أمي عنكِ وأنا طفل، ولكن، الشيء الذي أحلم به دائمًا هو أن أسمع القصة منكِ أنتِ شخصيًا."أخرج هاتفه الذكي من جيبه بتردد وأضاف:
"واسمحي لي، سأسجلها بصوتكِ على هاتفي، هل تسمحين لي؟"التفتت إليه هيلين، ورسمت ابتسامة على شفتيها، وقالت برقة:
"طبعاً يا بني، يسعدني ذلك."قال جيف وهو يضغط زر التسجيل ويضع الهاتف على المقعد الخشبي بينهما:
"كلي آذان صاغية، فلنبدأ القصة من البداية."أسندت هيلين ظهرها إلى الأريكة، وأرخت بصرها نحو الأفق البعيد حيث تلاشت آخر خيوط الشمس، وبصوت هادئ يحمل الذكريات، قالت:
"لقد بدأ كل شيء، في يناير من عام 1976..."همست هيلين بتلك الكلمات، وتلاشى صوتها تدريجيًا ليذوب في سكون المنتزه، بينما انطلقت عجلة الزمن إلى الوراء محلقة فوق سماء مدينة "تشيبنهام" المجاورة في ذلك العام البعيد.
في ذلك الشتاء، لم تكن هيلين سوى تلميذة رقيقة في الثالثة عشرة من عمرها، ترتاد مدرسة "شيلدون" الإعدادية. وفي صباح أول أيام الدراسة، انفتح باب الفصل ليدخل فتى لم تألفه الوجوه. كان فتىً وسيمًا يُدعى "مارك"، يمتلك شعرًا أشقر. وقف لثوانٍ بعينيه الزرقاوين، يمسح المقاعد باحثًا عن مكان شاغر. وحين وقع نظره على تلك الفتاة الجميلة الجالسة بهدوء؛ "هيلين"، لم يتردد للحظة. سار وجلس في المقعد المجاور لها مباشرة.
التفت إليها، وبابتسامة أذابت كل جدران الخجل، قال ببساطة:
"أنا اسمي مارك".فأجابته بصوت خافت وعينين تلمعان بالبراءة:
"وأنا هيلين".في تلك اللحظة، وكأن كيوبيد قد أطلق سهمه من دون سكان الأرض جميعًا ليخترق قلبيهما الصغيرين، فألصقهما معًا برباط لا ينفصل. منذ ذلك اليوم، لم يفترقا أبدًا. اندمجت روحاهما حتى باتا طيفًا واحدًا يسير على قدمين، وأصبحت القاعدة بين زملاء المدرسة وسكان القرية بأسرها: إذا أردت العثور على هيلين، فابحث عن مارك، والعكس صحيح تمامًا.
بالقرب من مدرستهما، كان يقبع مطعم صغير يحمل لافتة متواضعة كُتب عليها "ملجأ العشاق". ورغم اسمه الشاعري، لم يكن يرتاده أي عشاق. اتخذ الصغيران من هذا المطعم ملاذًا سريًا لهما. كانا يجلسان في زاوية بعيدة، متقابلين وجهًا لوجه على الطاولة، يتهامسان ويتبادلان النظرات كعاشقين بالغين ناضجين، متناسيين تمامًا صغر سنهما.
وفي أحد الأيام، وأثناء سيرهما في الممر الجانبي الضيق للمطعم المكسو بالطوب الأحمر، اكتشفت هيلين مصادفة أن أحد قوالب الطوب كان متحركاً. سحبته بفضول، ليكشف عن فجوة صغيرة خلفه. ومنذ ذلك اليوم، تحول هذا التجويف إلى صندوق بريدهما السري.
في عطلات الصيف الطويلة، وحين كانت اللقاءات تغدو صعبة بعيدًا عن أعين الأهل، كان التسلل إلى الممر هو طوق النجاة. كان أحدهما يمر خلسة ليترك ورقة صغيرة مطوية داخل الفجوة، يكتب فيها بخط يده:
"أراكِ غدًا في نفس المكان، في الثانية ظهرًا."وكان الآخر يمر ليسحب الطوبة، ويلتقط الرسالة.
على مر السنين، كبر مارك وهيلين، وكبر حبهما ليفيض عن جدران القلوب. قررا أن يوثقا هذا العشق، فبدآ يوقعان باسميهما على كل مكان زاراه أو استراحا فيه. امتلأت جدران القرية، وجذوع أشجارها، والأرائك، والمقاعد الخشبية، بأسماء محفورة: "مارك وهيلين". أصبحت القرية بأسرها كتابًا مفتوحًا يحمل بصمة عشقهما، وبات من السهل على أي شخص أن يرى التوقيعات ويعلم أين هما، أو أنهما كانا هنا يومًا ما.
مرت الأيام مسرعة، وعندما بلغ مارك عامه الثلاثين، أدرك أن الوقت قد حان لتتويج هذه الملحمة. وعندما صارح والده برغبته في الزواج من حب حياته، انتشر الخبر في القرية كنسيم الربيع المفرح. هبّ الجميع للمساعدة. كلٌ قدم ما يمكنه بحب خالص، وما هي إلا شهر واحد، حتى كان المسكن جاهزًا لاستقبال العروسين.
لكن الأقدار كانت تنسج لهم خيوطًا أخرى.
في اليوم الذي سبق الزفاف مباشرة، وبينما كانت هيلين تعبر الشارع والابتسامة تضيء وجهها الشارد في أحلام الغد، شق السكون صوت مرعب. صرخة حادة لإطارات تحتك بالأسفلت، تلاها صوت مكابح شديدة. لم تلتفت هيلين، ولم ترَ شيئًا، صدمة قوية وغادرة!
قوة غاشمة لا ترحم ضربت جسدها، لتطيح بها عاليًا في الهواء. وقبل أن تلامس الأرض، وقبل أن يدرك عقلها ما حدث، سقطت هيلين في بئر من الظلام. ظلام ابتلع الضوء، وابتلع الصوت، وابتلع معهما كل الأحلام، ولم تشعر بعد تلك اللحظة بأي شيء على الإطلاق.
فتحت هيلين عينيها بتثاقل شديد، جالت بنظرها المشوش في أرجاء المكان، تبحث بقلب خائف عن وجه "مارك"، لكنها لم تجد سوى الفراغ. شق الصمت صوت صفير منتظم ينبعث من آلة تقبع بجوار سريرها.
حاولت أن تلتفت، أن تنهض لترى أين هي وماذا يحدث، لكن الرعب اجتاحها. لم تكن تستطيع الحراك. جسدها كان غارقًا في خدر ثقيل، لا تشعر بظهرها ولا بقدميها، وكأنها مجرد وعي معلق في فضاء من العجز التام. وحدها ذراعها اليمنى كانت تحتفظ بنبض خافت من الحياة.
بطرف عينها، لمحت زرًا يتدلى من سلك قريب. جاهدت باستماتة، لتزحف بأناملها المرتجفة حتى لامست أطرافها الزر، وضغطت عليه بقوة ويأس.
وما هي إلا ثوانٍ معدودات، حتى اخترقت أذنيها أصوات وقع أقدام تركض مسرعة في الممر الخارجي وتقترب منها، تداخلت معها أصوات عجلات معدنية تُدفع بقوة على الأرضية، وأصوات بشرية متداخلة لا تعرف ماذا تقول. أطل عليها وجه امرأة انحنت فوقها مباشرة. اتسعت عينا المرأة بذهول، وارتسمت على شفتيها ابتسامة غير مصدقة وهي تسألها:
"هيلين؟ هيلين! يا إلهي، هل تسمعينني؟"كانت هيلين تسمعها بوضوح، ترى حركة شفتيها، لكن عقلها المتبلد لم يكن يعي أو يفهم شيئًا مما يدور حولها. وما هي إلا دقائق قليلة حتى انشق الزحام عن وجه طبيب بملامح جادة يرتدي معطفًا أبيض.
وما هي إلا ساعات حتى تكشفت الحقيقة المروعة التي هوت على رأسها كالمطرقة. لقد عانت هيلين من حادث تصادم مروع، والمفاجأة التي ألجمتها، أن ذلك الحادث لم يقع بالأمس، بل منذ شهر كامل! لقد ابتلع العدم ثلاثين يومًا من عمرها؛ كانت راقدة في غيبوبة عميقة لا تعلم شيئًا عن العالم من حولها.
هرع إليها والديها، أحاطوا بسريرها والدموع تغرق وجوههم. ظلت هيلين في المستشفى تتلقى الدواء وتخضع لجلسات علاج طبيعي قاسية ومؤلمة حتى استردت جسدها رويدًا رويدًا، وغادرت المستشفى لتكمل العلاج في المنزل مع تعليمات بعدم الخروج حتي تشفى تمامًا.
لكن، وسط كل هذه الاحتفالات بنجاتها، كان هناك غياب ينهش قلبها في صمت. الغريب والمفزع أن أحدًا لم يجبها بشيء حين سألت عن "مارك" أو عن الزفاف! كانت ذاكرتها عن الحادث ممحاة تمامًا، وكلما ذكرت اسمه، قوبلت بوجوه مرتبكة وتهرب واضح. يا إلهي، هل مات مارك؟ هل فارق الحياة في ذلك الحادث المرعب أم ما يزال حيًا يتألم في مكان ما؟
في إحدى الليالي، لم تعد قادرة على التحمل. سألت أمها، واستحلفتها وعاهدتها أن تخبرها الصدق مهما كان قاسيًا. نظرت الأم إلى ابنتها بأسى عميق، لتنطق بكلمات مزقتها وألقتها في دوامة:
"يا ابنتي، أرجوكِ اسمعيني، لم يكن هناك "مارك" ابدًا! لم يكن هناك وجود لهذا الشاب. لقد كانت كلها مجرد هلاوس، كنتِ تنطقين باسمه وتنادينه وأنتِ في الغيبوبة، لكنه لم يكن موجودًا يومًا في حياتنا، وانتِ لم تتزوجي حتي الآن، وليس لك حبيب."لم تصدق هيلين ما سمعت. هلاوس؟ كيف؟ كيف تكون هلاوس بمثل هذه الحقيقة والواقعية؟! لقد شعرت بلمساته على وجهها، سمعت كلماته، حفظت ضحكاته! كيف يمكن لكل هذا العشق الذي سكن خلاياها أن يكون كذبًا أو وهمًا اختلقه عقل مريض؟
لم تستسلم هيلين لليأس وللواقع الذي فرضوه عليها. ضربت بتعليمات الطبيب عرض الحائط وخرجت رغمًا عنهم لتبحث عنه في كل مكان. ذهبت إلى نفس الأماكن التي زاراها معًا. كان الواقع مرعبًا؛ فالأماكن كانت مطابقة تمامًا لما عاشته في أحلامها! المنتزه، مسارات الدراجات، والمطعم. لكن الصدمة المفجعة، والضربة التي قصمت ظهرها كانت عندما ذهبت لتتفقد عش الزوجية فوجدته أرضًا فضاءً، وكذلك الأماكن التي كانا يوقعان ويحفران اسميهما عليها، لم تجد أي توقيع! صدمت صدمة عنيفة، سألت الناس في الشوارع، عرضت أوصافه، فلم تجد إجابات ولم تحصد سوى نظرات الشفقة.
مرت شهور من المعاناة. تحولت أيامها إلى رحلة عذاب، تمشي في الشوارع بخطوات مثقلة، تتلفت حولها بقلب منكسر، لعلها تجده أو تلمح طيفه.
وفي يوم من الأيام، وبينما كانت تمشي في الطريق تجر أذيال خيبتها، نظرت مصادفة بجانبها نحو كشك لبيع الجرائد والمجلات. تسمرت قدماها في الأرض كأن صاعقة ضربتها. انقطع تنفسها، وجحظت عيناها وهي ترى ما لم تصدقه يومًا.
هناك، على غلاف إحدى الجرائد، كانت صورة "مارك"!
لم تكن تحلم! أمسكت بالجريدة بأصابع ترتعد، لتقرأ عنوانًا مقتضبًا كاد يوقف نبضها، فهو بلا اسم! التهمت عيناها السطور لتقرأ أنه يرقد في مستشفى "تشيبنهام" في المدينة المجاورة..
هرعت كالمجنونة واقتحمت أروقة المستشفى. وحين دخلت غرفته، توقف الزمن. كان راقدًا هناك، نائمًا في سكون مطبق لا يتحرك، موصولاً بأجهزة الإعاشة. اقتربت بخطوات متهاوية وأمسكت بيده، إنها نفس اليد! نفس الملمس الدافئ الذي عانق أصابعها في أحلامها! لم تطلق يده أبدًا، وادعت للممرضات أنها إحدى أصدقائه وأن اسمه "مارك". جلست على كرسي بجانبه ليومين متواصلين، ولكن ما أدهش الأطباء حقًا، أن مؤشراته الحيوية بدأت في التحسن التدريجي منذ حضورها، وكانت هذه علامة حسنة. كان يحرك أصابعه بوهن كلما لامست يده، وكأن جسده المحطم يستمد الحياة من وجودها.
وحين كان يغلبها الإرهاق فتنام ممسكة بيده، كان يحضر إليها في أحلامها كالمعتاد. كان معها، يحدثها وتحدثه. لم تسأله أين ذهب أو أين اختفى. كانت سعيدة فقط لأنها معه.
لكن في اليوم الثالث، اختلف الحلم. تقابلا، فنظر إليها بعينين تفيضان بشجن الوداع، وهمس بصوت حفر في ذاكرتها للأبد:
"عليّ أن أرحل الآن يا هيلين، أعدك أنني لن أترككِ وسأعود إليكِ مرة ثانية، لكن عليكِ أن تبقي متماسكة."فتحت هيلين عينيها بفزع، وتزامن ذلك مع أنين مكتوم صدر من الأجهزة الطبية، تحول فجأة إلى صفير متصل وحاد. هرع الأطباء إلى الغرفة يصارعون الزمن، لكن الوقت كان قد فات. لقد مات. لم تصدق، ألقت بنفسها عليه، احتضنته وانتحبت بحرقة هستيرية مزقت جدران المستشفى وأدمت قلوب الممرضات اللاتي جاهدن لإبعادها عنه بالقوة. لم يكن أحد يعلم من هو أو أين يقيم، فقد وُجد ملقى في الشارع إثر حادث سير سيء، غريبًا وبلا هوية.
خرجت هيلين من المستشفى تجر خطواتها كجسد بلا روح، غير مصدقة أنها فقدت حب حياتها للأبد. استقلت سيارة أجرة للعودة، ووسط بحر من الدموع، أخرجت الصحيفة المطوية. أرادت أن تحتضن صورته، ففتحت طيات الجريدة بالكامل.
ويا لهول ما رأت! جحظت عيناها وتجمد الدم في عروقها. لم تكن صورته وحدها هناك، بل كانت "صورتها هي" مطبوعة أيضاً! وتحتها تحقيق صحفي يقطر دماً وحقيقة:
"امرأة تصدم عابر سبيل وتتركه في حالة حرجة، قبل أن تنحرف سيارتها لتصطدم بجدار أحد الأبنية!"
يا إلهي! لم تصدق ما تقرأه. الحقيقة البشعة صفعتها بلا رحمة: هي الجانية! هي من أصابته وقتلته ليُنقل هو إلى مستشفى المدينة مجهولاً، بينما نُقلت هي إلى مستشفى القرية لتدخل في غيبوبة. كل تلك الأحلام الرومانسية لم تكن سوى حيلة يائسة من عقلها الباطن ليمحو بشاعة ذنبها ويعكس الأدوار!
عادت هيلين إلى المنزل وقد جُن جنونها تمامًا. التقطت ذاكرتها المشوشة خيطًا مفقودًا؛ لقد أعادوها من المستشفى يوم أفاقت من الغيبوبة في سيارة أجرة! انطلقت كالمجنونة تبحث عن سيارة والدها؛ فهي لم تكن تقود سيارة غيرها قط. اندفعت نحو مرآب المنزل، وما إن فتحت بابه حتى تسمرت في مكانها كأن صاعقة ضربتها؛ وجدت سيارة والدها تقبع في الظلام، وقد تحطم وجهها الأمامي تمامًا وتهشم زجاجها في مشهد يجسد الكارثة!
جرت نحو أمها تصرخ بهستيريا ودموعها تنهمر، تمسك بثيابها وترجها بعنف:
"قولي لي ما حدث! أرجوكِ أخبريني الحقيقة!"انهارت الأم باكية، وأدركت أن ستار الوهم قد تمزق للأبد. اعترفت لها بالسر الذي جاهدوا لإخفائه، وأخبرتها أنها في ذلك اليوم المشؤوم، كانت تقود سيارة والدها كالمعتاد، وعند تقاطع "ماركت كروس" صدمت عابر سبيل بقوة، ثم فقدت السيطرة لتنحرف وترتطم بشدة في جدار أحد الأبنية.
مسحت الأم على وجه ابنتها لتواسيها، مضيفة أن الشرطة، وبمراجعة كاميرات المراقبة الأمنية المثبتة على واجهة أحد المتاجر المطلة على التقاطع، أثبتت أن الرجل كان يعبر الطريق فجأة بطريقة عشوائية ومتهورة. لم يكن في استطاعتها أبدًا أن تتفاداه، مما برأها قانونيًا من أي خطأ. والأكثر غرابة، أنه لم يُستدل على هويته، ولم يظهر له أي أهل أو أقارب، وكأنه نبت من الأرض.
ورغم براءتها القانونية، كانت محكمة ضميرها قد أصدرت حكمها القاسي. انحبست هيلين في غرفتها لشهرين، ترفض الحياة وتكاد تفقد عقلها، حتى أصر طبيبها المعالج، الذي غيّر خطة علاجها، على ضرورة مواجهة الواقع لتتخلص من هذا الوهم. اقترح أن يأخذها والدها إلى نفس الأماكن لتوقن أن كل ما حدث ما هو إلا حلم سخيف.
كانت المحطة الأخيرة في هذه المواجهة هو مطعم "ملجأ العشاق". وبينما كانا في انتظار الطعام، تذكرت هيلين المخبأ السري. تسللت على أطراف أصابعها إلى الممر الجانبي، وقفت خلف الطوبة مترددة. أزاحتها وأدخلت أصابعها في الفجوة وتحسستها، فلم تجد شيئًا! كادت تستسلم، لكن هاتفًا داخليًا كان يصرخ ويأمرها بالاستمرار. أدخلت يدها أعمق، فاصطدمت أناملها بورقة صغيرة! سحبتها بلهفة، وأنفاسها تتقطع، وفتحتها لتجد رسالة نسفت كل قوانين المنطق:
"غداً عند الغروب، على مقعدنا في المنتزه."لكن ما جعل عقلها يطيش، وما رسخ اليقين المطلق في قلبها، هو ذلك التاريخ المدون أسفل الورقة:
"العاشر من أكتوبر 1976"!
لقد كان هذا هو تاريخ اليوم! صرخت هيلين، وانطلقت تعدو كالمجنونة تطوي شوارع القرية طيًا نحو المتنزه العام. كانت تبحث عن شيء واحد، وفي وسط المتنزه وجدتها، "الأريكة الخشبية" ذاتها التي كانت تجلس عليها معه في أحلامها، قابعة بسكون أسفل أضخم شجرة بلوط في القرية كلها!
تبعها والدها يلهث من الركض، وحين وصل إليها، وجدها متسمرة أمام الأريكة وعيناها تفيضان بدموع الفرح. حاول باستماتة أن يثنيها عن هذا الجنون، وأن يخبرها بأنها مجرد خدعة قاسية، لكن عنادها كان أقوى من الجبال؛ لقد آمنت يقيناً بأن "مارك" سيعود.
أمام إصرارها، انتزع والدها الورقة من يدها، واصطحبها قسرًا إلى مركز شرطة القرية. توجه مباشرة إلى رئيس المخفر في ذلك الوقت، والذي لم يكن سوى والد الشرطي "جيف"، وطلب منه فحص الورقة في المعمل الجنائي لإنهاء هذه المهزلة وإثبات أنها خدعة سخيفة.
لكن تقرير المعمل الجنائي جاء كصاعقة مدوية صفعت وجوه رجال الشرطة جميعًا! النتيجة لم تكن مجرد صدمة، بل كانت معجزة تتحدى قوانين الفيزياء؛ فقد أثبتت التحليلات أن الحبر الذي كُتبت به الرسالة "حديث جداً" ولم يمر على كتابته سوى أيام قليلة، والأدهى والأكثر غرابة، أن البصمات المرفوعة من على الورقة كانت تتطابق بنسبة مائة بالمائة مع بصمات المتوفى!
انتشرت أخبار تقرير المعمل الجنائي في القرية الصغيرة كانتشار النار في الهشيم. وفي ليلة وضحاها، تغيرت نظرات الناس لهيلين؛ تبخرت نظرات الشفقة على "الفتاة التي جُنت"، لتحل محلها نظرات أحترام وإجلال لـ "العاشقة التي اخترق حبها حواجز الموت والزمن."
حاولت الشرطة فك هذا اللغز، فنشرت صورة المتوفي في جميع الجرائد لعل أحدًا يتعرف عليه، لكن بلا جدوى. أرسلوا بصماته إلى "سكوتلاند يارد" في لندن للبحث في السجلات الوطنية، فجاءت النتيجة صفرية تمامًا؛ المتوفي لم يكن له أي وجود رسمي، كأنه روح هبطت من السماء ثم عادت إليها.
ورغم تأكيدات المعمل الجنائي، ورغم يقينها الذي لا يتزعزع، كان هناك لغز ينهش روح هيلين ويمزق عقلها: من يكون مارك حقاً؟ ومن أين جاء إذا لم يكن له أي أثر في هذا العالم أو في سجلات الشرطة؟
في ليلة يكتنفها الضباب، قادها حدسها إلى أطراف القرية، حيث يقبع كوخ خشبي قديم تسكنه عرافة عجوز، طرقت هيلين الباب بقلب يرتجف، وما إن دخلت وجلست أمام العرافة ذات العينين الغائرتين، حتى امتدت يد العجوز لتمسك بيدها.
انتفض جسد العرافة بشدة، وارتعشت أناملها وكأن تيارًا كهربائيًا قد سرى في عروقها. أغمضت العجوز عينيها للحظات، ثم فتحتهما لتنظر إلى هيلين بابتسامة تحمل حزنًا، وقالت بصوت خافت:
"لقد رأيته بعينيكِ يا ابنتي، يجب أن تعلمي أنه يحبكِ أكثر من أي شيء آخر في الوجود. لقد ترك كل ما يملك، وتجاوز كل الحواجز، وأتى إلى هنا خصيصًا لكي يلقاكِ، ولكن الأقدار في عالمنا كان لها رأي آخر ؛ لقد صدمتيِه بسيارتكِ في اللحظة ذاتها التي وطأت فيها قدماه عالمنا!"ارتعدت هيلين، وشعرت ببرودة تسري في أوصالها. اتسعت عيناها بالدموع وسألتها بصوت مخنوق يقطر حيرة ورجاء:
"من أين هو؟ أخبريني أرجوكِ، إذا لم يكن من هنا، فمن أين جاء؟"تنهدت العرافة، ومسحت على يد هيلين بحنان بالغ لاحتواء رجفتها، وهمست والشموع تتراقص من حولهما:
"يا ابنتي، يجب أن تعلمي أن هذا الكون أوسع وأعقد بكثير مما تدركه حواسنا، وأن له أبعادًا أخرى، تتلاقى فيها الأرواح التي كُتب عليها العشق. لا تسأليني عن قوانين تلك العوالم، فكل ما أستطيع أن أقوله لكِ الآن هو ما أشعر به فقط."صمتت العرافة لثانية، واتسعت ابتسامتها وهي تنظر إلى الفراغ بجوار هيلين، وأضافت بهمس يقشعر له البدن:
"وأنا أشعر به، إنه يقف معنا هنا، الآن."في تلك اللحظة، تبخر كل شك في قلب هيلين. مُنحت صك اليقين بأن حبها حقيقة، وأن وعده بالعودة حق. مسحت دموعها، وارتدت ثوب الانتظار الطويل، واتخذت من الأريكة الخشبية محرابًا لها.
وسرعان ما تجاوزت القصة حدود القرية، حتى وصلت إلى مسامع واحد من أشهر أساطير الإعلام التلفزيوني في بريطانيا والعالم، المذيع "السير ديفيد فروست". ذُهل فروست من تفاصيل القصة، وحزم حقائبه وتوجه بطاقمه إلى القرية، ليصور "روبورتاجًا" تلفزيونيًا كاملًا هز وجدان بريطانيا والعالم بأسره.
منذ ذلك البث، تحولت قرية "كاسل كومب" الهادئة إلى مركز صحفي عالمي، واكتظت شوارعها بالمراسلين من كل حدب وصوب. صفوا عدسات كاميراتهم التلفزيونية من بعيد، مصوبين إياها نحو الأريكة الخشبية أسفل شجرة البلوط، حيث تجلس هيلين بانتظار حبيبها. بات الحصول على حديث أو تصريح من هيلين هو الأمنية الذهبية لكل صحفي في العالم.
وأمام هذا الطوفان البشري والإعلامي، تولت والدة هيلين إدارة هذا الصرح بذكاء وحزم نيابة عن ابنتها. توالت عليهم النقود وتدفقت الثروات من كل صوب وجوف. كانت الصورة التذكارية الواحدة مع هيلين تكلف خمسين جنيهًا إسترلينيًا. كانت هيلين تعشق "مارك" في أحلامها، وفي الواقع، كان "مارك" هو من يعولها ويغدق عليها ثروات العالم مجازًا ومن وراء ستار الموت!
أصبحت هيلين أيقونة العشق الأبدي. وما زاد من أسطورتها، أنه تصادف وبشكل عجيب أن كل العشاق الذين التقطوا صوراً معها أو نالوا أوتوجرافًا بتوقيعها (مارك وهيلين)، قد تزوجوا وعاشوا حياة مليئة بالسعادة. ومن فرط حبهم وامتنانهم لها، باتوا يسمون أول مولودة أنثى لهم باسم "هيلين"، حتى انتشر الاسم كالنار في الهشيم في طول البلاد وعرضها.
بعد مرور سنتين من الثراء، اشترت هيلين منزلًا فخمًا يطل مباشرة على المنتزه، وتحديدًا، تطل شرفته على "الأريكة" لتراقبها في كل لحظة. نسجت هيلين صداقات عالمية على أعلى المستويات، فكانت تستقبل في منزلها زوجات الملوك، والأمراء، ورؤساء الدول الذين أتوا خصيصاً لرؤية أيقونة الحب. قُدمت لها دعوات لا تُحصى لحضور ندوات ومؤتمرات كبرى في عواصم العالم، لكنها كانت تتحطم عند شرطها الصارم الذي لا تتنازل عنه أبدًا؛ مهما كان الحدث، يجب أن تعود لتكون جالسة على أريكتها في المنتزه عند الساعة الخامسة قبيل الغروب.
الي هنا انتهت فصول الكتاب ولكن ما سأقوله لكم الآن لم اشاركه مع أحد من قبل.
بعد أن توقفت هيلين عن الكلام، وأسندت ظهرها إلى الأريكة لتستريح. نظرتُ إليها مبهورًا، وأخذتُ أنا زمام الحديث وقلت:
"سيدة هيلين، أنتِ لستِ مجرد أيقونة، أنتِ بالنسبة لي، ولكل من عرفك، رمز مطلق للطهر والمحبة. لقد رفضتِ الارتباط بأي إنسان آخر، وعشتِ حياتكِ كلها مثل راهبة تتبتل في محراب العشق. أنتِ تعلمين جيدًا حجم التبجيل والمحبة التي تكنها لكِ هذه القرية، بل وإنجلترا بأسرها. لقد سمعت قصتكِ مرارًا من والدي، لكنني لم أسمع يومًا تلك التفاصيل المذهلة كما سمعتها منكِ الآن. أنا محظوظ جدًا، بل أنا الأكثر حظًا لأنني سجلت هذا الحديث بصوتكِ، إنه تذكار عزيز لا يُمحى، سأورثه لعائلتي ولأجيال في المستقبل."سكتُّ لبرهة أنتظر تعقيبها، لكن هيلين لم تتحدث. كل ما التقطته أذناي أثناء حديثي، كان مجرد همهمات خافتة جدًا وكلمات متقطعة لم أتبينها. نظرت إليها، فرأيت على وجهها ابتسامة جميلة، مضيئة، وساحرة، ابتسامة سلام عميق لم أرها على وجهها من قبل قط.
مددت يدي ولمست كتفها برفق لتفيق من تفكيرها، فمالت ببطء، وألقت برأسها لتستقر على كتفي.
تجمد الدم في عروقي. كشرطي كنت أعرف تلك النظرة وتلك السكينة. يا إلهي، لقد ماتت هيلين. ماتت أيقونة القرية.
في تلك اللحظة بالذات، انتابني شعور مروع ومفجع بأن ثمة شيئًا قد انتُزع مني، بل انتُزع من القرية بأسرها. تحولت "كاسل كومب" فجأة إلى مجرد لوحة ألوان جميلة، لكنها ثابتة ومن دون حياة. سكنت أصوات الطيور في السماء، وتوقف الهواء عن مداعبة الأشجار.
شعر من في المنتزه بالخطب. التم العشاق من حولي، وطوقوا الأريكة في صمت رهيب ومقبض، لا تسمع فيه سوى نحيب صامت ودموع حارة تتدفق على الوجوه. ركضت إحدى الفتيات باكية بأقصى سرعتها نحو كنيسة القرية، وما هي إلا دقائق حتى شق سكون المساء دوي الأجراس. انتشر الخبر كالنار في الهشيم، وما هي إلا ساعة حتى تجاوبت الكنائس، وعلت دقات الأجراس واحدة تلو الأخرى على طول البلاد وعرضها في مشهد جنائزي يعلو ليصم الآذان.
كان الخطب جللاً والحشود المتوقعة هائلة، فرفضت "سكوتلاند يارد" إقامة مراسم الجنازة في قريتنا لصغرها. تم نقل جثمانها بطائرة هليكوبتر إلى لندن، وتحديداً إلى كنيسة "سان بيتر". وهناك، ألبسوها ملابس عروس ناصعة البياض من أجل نظرة الوداع الأخيرة. بدت كعروس نائمة تنتظر عريسها. أُلقيت في رثائها أعداد لا تحصى من كلمات التأبين التي أبكت العالم.
وعندما عدتُ مرة أخرى إلى القرية، لم تكن هي نفس القرية التي غادرتها البارحة. كان هناك شيء ثقيل يطبق على الأنفاس. كان الناس يمشون كالأشباح، وبالكاد يتحدثون، والوجوه مرهقة ومطفأة. تم عمل حاجز أنيق يحيط بمقعدها، وأسميناها رسميًا: "أريكة هيلين ومارك".
وبعد مرور أسبوع، بدأت أستعيد تماسكي، خصوصًا وأنني كنت آخر من رافقها وسمع صوتها. في تلك الليلة، وبعد انتهاء موعد المتنزه ومغادرة الجميع، حملني الحنين الجارف، فذهبت وتخطيت الحاجز، وجلست في نفس مكاني السابق على الأريكة. أخرجت هاتفي، وأدرت التسجيل لأستمع لقصتها بصوتها مرة أخرى.
استمعت وعيناي تفيضان بالدمع، حتى وصلت للمقطع الأخير، عندما توقفت هيلين عن الكلام أثناء حديثي، ولم يبق سوى تلك الهمهمات التي لم أتبينها حينها. أصغيت جيدًا، لكن الأصوات الخلفية وحفيف الشجر كانت تغطي عليها، فكانت بالكاد مسموعة ولا أتبين منها شيئًا.
لم أستسلم. عدت إلى منزلي مسرعًا، ووضعت الملف الصوتي على برنامج متطور لفصل الأصوات وتنقيتها. وبعد فترة من الانتظار، استمعت للهمهمات مرة أخرى.
كانت ضعيفة، لكنها أصبحت واضحة ومميزة. رفعت مستوى الصوت لأعلى درجة ممكنة، فتوقف قلبي عن النبض، وسمعتها تقول بلهفة وبدموع الفرح:
"يا إلهي، أخيرًا عدت، أين كنت يا مارك؟ لقد انتظرتك العُمر كله."ثم حدث ما زلزل كياني، واخترق روحي! لقد التقط الميكروفون صوتًا آخر، صوتًا لم يكن موجودًا معي في المنتزه، صوتًا رجوليًِا، رخيمًا، وهادئًا جدًا، رد عليها بوضوح جلي:
"حبيبتي هيلين، كم افتقدتكِ، لقد وعدتك بأني سأعود وها أنا ذا، هيا لا تخافي، امسكي يدي ودعينا نرحل من هنا."