حروف
من رماد

بقلم هنري ماكسويل

في صبيحة الخامس من يونيو عام ١٩٤٠، لم تكن باريس بحاجة إلى من يخبرها أن النهاية تقترب؛ كان الخوف ملموسًا تتنفسه الناس في الهواء.

في شقته الأنيقة بالدائرة السادسة عشرة، وقف "چوليان" أمام مرآته. رجل في أوائل الثلاثينيات، يحمل ملامح أرستقراطية، فكه حاد، وعيناه رماديتان. كان يمشط شعره الداكن، ويداه النحيلتان لا تعرفان الارتجاف، أخرج ساعته الفضية، وعندما عانقت العقارب الثامنة صباحًا، حمل حقيبته الجلدية وغادر إلى مختبره الكيمائي.

من خلف زجاج سيارته السيتروين السوداء، رأى الخوف متجسدًا؛ وجوهًا متوترةً تهرول بلا هدى. وعلى الأرصفة، رأى مجموعات من المجندين الجدد ببدلات عسكرية تبتلع أجسادهم النحيلة، يحملون بنادقهم ويسيرون بخطىً متسارعة نحو محطات القطارات، ومن أعينهم تطل نظرة رعب صبياني وهم يتجهون إلى جبهة القتال.

توقف قليلًا أمام كشك للجرائد يقرأ عناوين الصحف. كانت صحيفة "لو فيجارو" تصرخ ببنط أسود عريض: "قواتنا تقاتل بشراسة على ضفاف السوم، ولا تراجع". بينما حملت "لو ماتان" عنوانًا يبيع الوهم: "الحكومة تطمئن المواطنين، باريس لن تسقط".

أشاح بوجهه، وواصل طريقه ليقل حبيبته ومساعدته "أچنيشكا". كانت تقف على الرصيف في انتظاره. شابةً في نهاية العشرينيات؛ تمتلك جمالًا هادئ؛ بشرتها شديدة البياض تتناقض مع عينيها الداكنتين اللتين تخفيان صلابة فتاة رأت وطنها بولندا يحترق. عظام وجنتيها بارزة، وشعرها الكستنائي مشدود للخلف.

جمعتهما قصة حب منذ عامين، وكان من المفترض أن يتزوجا في الربيع، لولا أن اندلعت الحرب وابتلعت أحلامهما. تلامست أيديهما، وانطلقا نحو المختبر.

كان مختبر "چوليان" يحتل طابقًا كاملًا، ذو واجهةً زجاجيةً عريضةً تطل مباشرةً على شارع "الشانزليزيه"، وقبالته تمامًا يقع مطعم "لو فوكيتس" الفاخر بمظلاته الحمراء التي بدت حزينةً في ذلك الصباح.

في الليل، خرجا لتناول العشاء في مطعم قريب. كانت الإضاءة خافتةً، والزبائن يجلسون في زوايا متباعدة يتحدثون بهمس.

وعلى الطاولة المجاورة، كانت تجلس سيدتان. انحنت الأولى نحو رفيقتها، وقالت وعيناها تدوران في المكان برعب:

"إذا دخل الألمان، واقتربوا من منزلنا، يجب أن ننتحر. لا أنا ولا أنتِ نقدر على تحمل التعذيب."

ابتلعت السيدة الثانية ريقها بصعوبة، وسألتها بصوت مخنوق:

"لكن كيف؟ الموت ليس سهلًا."

فتحت الأولى حقيبتها ببطء، وقالت بنبرة هامسة تقشعر لها الأبدان:

"لا تخافي، لقد توسلت لأحد الصيادلة، فأعطاني سم السيانيد، إنها أربع كبسولات، اثنتان لنا، واثنتان للصغار!"

كان هذا الحديث مروعًا. سقطت الشوكة من يد "أچنيشكا" لتصطدم بالطبق محدثةً رنينًا حادًا، وارتعد جسدها بالكامل. أن تفضل أم باريسية قتل أطفالها على أن تتركهم للغزاة، كان هذا يجسد أبشع كوابيس البشرية. قبض "چوليان" على يديها المرتجفتين بقوة، محاولًا أن يمنحها أمانًا لا يملكه.

مرت الأيام مشحونةً بهذا الرعب، حتى جاء يوم الرابع عشر من يونيو. اليوم الذي سقطت فيه عاصمة النور.

منذ الصباح الباكر، كان الباريسيون يسمعون طلقات المدافع تدوي من بعيد كطبول الموت. وفجأةً، توقف القصف. ساد هدوء مريب، هدوء مقبض وثقيل. ثم توقف بث راديو باريس لأول مرة، تاركًا خلفه أزيزًا أصمًا يعلن النهاية.

وما هي إلا ساعةً واحدةً، حتى بدأت بوادر الجنود الألمان في الظهور؛ طلائع قوات "الفيرماخت" ببدلاتهم الرمادية، ومن خلفهم زحفت دبابات "البانزر" الضخمة لتترك بصمتها على الاسفلت. كانت وجوه الناس على الأرصفة خاليةً من الحياة، وبدت مملامحهم وكأنهم يحملون حجرًا ضخمًا يجثم على صدورهم، يسلبهم القدرة على التنفس.

وفي اليوم الثاني بعد الغزو، أصدرت القيادة الألمانية أمرًا عسكريًا صارمًا: على جميع العاملين في الدولة التواجد في أماكن عملهم فورًا، ومن يتخلف عن الحضور سيحاكم عسكريًا. وكان الجميع يدرك تمامًا أن المحاكمة العسكرية تعني الموت المحتم.

اضطر چوليان وأچنيشكا للنزول إلى الشوارع التي تبدلت ملامحها. كانت الحواجز الأمنية مزروعةً في كل مفترق طريق. كان الألمان يدققون في الهويات بتشدد، لكنهم، وعلى عكس المتوقع، لم يكونوا يتهورون أو يبطشون بالمارة. كانت لديهم تعليمات بحسن معاملة المواطنين، في محاولة ليمحوا تلك السمعة السيئة التي اكتسبوها من قرارات قادتهم في الدول الأخرى.

عبرا الحواجز ووصلا إلى المختبر، ووقفا خلف الواجهة الزجاجية العريضة التي تطل على الشارع. كان المشهد مستفزًا؛ ضباط الألمان يمشون بفخر واعتداد في الشوارع، يجلسون في المقاهي، ويرتشفون القهوة كأنهم سادة العالم.

كان المختبر هادئًا، وفجأةً شقّ صمت الشارع صوت صياح وهرج ومرج. تسمر چوليان وأچنيشكا في مكانهما. كان هناك اثنان من الشباب الفرنسيين يركضان هربًا من أحد المطاعم, لكنهما لم يلبثا أن وقعا صرعى بعدما أطلق عليهما الجنود وابلًا من الرصاص.

كان مشهد القتل مروعًا، فابتعد چوليان وأچنيشكا عن النافذة، لكن سرعان ما سمعا صوت عربة تتوقف بفرملة حادة تحت المختبر مباشرةً، ثم عاد السكون المخيف.

لم تمر سوى لحظات، حتى سمعا أصوات خطوات ثقيلة تركض صعودًا على السلالم. وقبل أن يتحرك "چوليان"، كُسر الباب الخشبي للمختبر، وتطايرت شظاياه في الهواء.

اقتحم المكان قائد من قوات "الإس إس"، شاهرًا مسدسه، ومن خلفه اندفع جنود يحملون بين أيديهم كولونيلًا ألمانيًا ببدلته العسكرية في حالة إعياء شديدة يرثى لها. كان يتلوى من الألم، يتقيأ باستمرار، ووجهه محتقن يميل إلى الزرقة. كان جسده يرتعش بعنف جراء سم تناوله للتو، وحشرجة الموت تمزق حنجرته، بينما الجنود يحملونه كذبيحة تحتضر ويلقون به فوق طاولات المختبر الزجاجية!

❊❊❊

دخل الجميع كعاصفة من الفوضى، وتكلم قائد الـ "إس إس" بصوت آمر، وهو يشير إلى الجسد الملقى:

"عالجه الآن!"

رد "چوليان" بصوت حاول إبقاءه ثابتًا، وهو يتراجع خطوةً للوراء:

"سيدي، هذا المختبر ليس طبيًا، هذا مختبر للأبحاث الكيميائية!"

لم يتردد الضابط لحظةً. سحب مسدسه، وضغط فوهته الباردة مباشرةً على جبهة "چوليان"، وقال بفحيح مرعب:

"إنه لن يصل إلى مستشفى، وإذا لم تعالجه الآن سأطلق عليك الرصاص!"

كان "چوليان" ينظر بذهول ولا يدري ماذا يفعل، بينما "أچنيشكا" قاربت على الانهيار التام، تلتصق بالجدار وهي ترتجف بشدة وتكتم شهقات فزعها.

قال "چوليان" بصوت متهدج:

"لكن، كيف؟ من الواضح أنه قد تسمم، ولا بد من تحليل عينة!"

أدخل القائد يده في جيب معطفه، وأخرج فنجان شاي من الخزف داخل كيس بلاستيكي، وقال:

"لقد أتيت إليك بفنجان الشاي الذي كان يشربه."

أخذه "چوليان" بيدين مرتعشتين، وسحب قطرات من قاع الفنجان، ووضعها في أنبوب اختبار، وأشعل الموقد وبدأ يحللها. مرت الدقائق ثقيلةً. كان الكولونيل المسمم يتقيأ باستمرار، وتتقطع أمعاؤه ألمًا، وتهزه ارتعاشات عنيفة تكاد تحطم عظامه وتضرب جسده بالطاولة.

كان الجميع في وضع مرتبك، والجو مشحونًا بالتوتر. الجنود الألمان يطوقون المكان، ينظرون بعيون مترقبة وأصابعهم متصلبة على بنادقهم، يراقبون كل حركة بريبة. قائد الـ "إس إس" يقف كالتمثال، يرمق "چوليان" بنظرات لا تعرف الرحمة. وكانت "أچنيشكا" متوترةً للحد الذي يجعل أسنانها تصطك رعبًا، بينما يتصبب العرق باردًا وغزيرًا على وجه "چوليان"، ليتساقط على عدسات نظارته الواقية وهو يرقب التفاعل الكيميائي.

تغير لون المحلول، وترسبت طبقة داكنة. اتسعت عينا "چوليان"؛ إنه "ثالث أكسيد الزرنيخ". سم فتاك، لا يقتل في التو واللحظة، بل يمزق جدار الأمعاء ببطء، ثم يتسلل ليدمر الكبد والكلى، ويؤدي إلى فشل الأجهزة الحيوية في الجسم.

كتب "چوليان" مسرعًا اسم السم، وأسفله الطريقة التي يحضر بها الترياق الكيميائي المضاد. نظرت "أچنيشكا" للكلام الذي كتبه "چوليان"، ولكن كل هذه المواد لم تكن موجودةً. تبادل "چوليان" و"أچنيشكا" النظرات المفهومة؛ فمعشوقته لا تملك المواد، فليس هناك أي مجال لأن ينقذ هذا الكولونيل، فالمواد المضادة للسموم ليست معه.

لكن كان لزامًا عليه أن يفعل شيئًا. ركض نحو الخزائن، وأحضر كميةً كبيرةً من مسحوق "الفحم النشط"، وخلطه بماء دافئ وأملاح "كبريتات المغنيسيوم"، فركب محلولًا مطهرًا للأمعاء، يعمل على امتصاص ما تبقى من السم في المعدة، ويجعله يتقيأ أكثر ليتخلص منه قبل أن يعبر إلى دمه.

أمر "چوليان" الجنود قائلًا: "أمسكوا برأسه بقوة!"

أمسك الجنود برأس الكولونيل المتشنج، وفتحوا فكيه عنوةً، وأدخل "چوليان" المحلول الأسود في فمه، وشربوه هذا الترياق البدائي. سعل الكولونيل وتقيأ السائل الأسود بشدة، وبعد نوبة قاسية، هدأ جسده قليلًا، وارتخت عضلاته المنهكة، ودخل في سبات.

❊❊❊

كان هذا وقت الترقب القاتل. احتضن "چوليان" "أچنيشكا" وتراجعا ليقفا في زاوية المختبر. كانت "أچنيشكا" تكاد تنهار، تبكي في صمت على كتفه، بينما يضمها هو بقوة، محاولًا أن يمنحها درعًا لن يقوى على صد الرصاص. وفي الجهة المقابلة, كان قائد الـ "إس إس" يرمقهما بنظرات قاسية تقطر رعبًا وكراهية.

وبعد نصف ساعة من السبات الثقيل، كان الكولونيل يتصبب عرقًا غزيرًا، وبدت حالته نوعًا ما تستقر، وكأن المحلول قد أفلح في كبح السم مؤقتًا.

وفجأة، وبلا أي مقدمات وبعد انقضاء نصف الساعة، انتفض جسد الكولونيل. نهض جالسًا في حركة عنيفة، وتقيأ بشدة، ثم شهق شهقة قوية مزقت صدره، وسقط للخلف ميتًا، وعيناه مفتوحان جاحظتان تحدقان في الفراغ.

نظر چوليان وأچنيشكا لبعضهما البعض بيأس وخوف. لقد انتهى كل شيء، وكانا يشعران في أعماقهما أن هذه هي نهايتهما المحتومة.

التفت إليهما قائد الـ "إس إس"، وعيناه تشتعلان بالغضب، وقال:

"لقد قتلتما الكولونيل!"

رفع مسدسه بسرعة البرق، وصوبه مباشرة إلى رأس أچنيشكا. وفي جزء من الثانية، قفز "چوليان" ووقف أمامها، جاعلًا من صدره متراسًا ليتلقى الرصاصة بديلًا عنها.

هنا، خفض القائد مسدسه قليلًا، وابتسم ابتسامة خبيثة وسادية، وقال:

"من الواضح أنكما محبان. سأعذبكما ببطء، ولن تنسوا وجهي نهائيًا!"

أعطى إشارة لجنوده، فانقضوا عليهما، واقتادهما بقسوة شديدة، يمزقون معاطفهما البيضاء ويدفعونهما إلى الأمام بعنف مفرط. حاولت أچنيشكا التشبث بذراع چوليان، فهوى أحد الجنود بظهر بندقيته على ظهرها لتتعثر متألمة. صرخ چوليان محاولًا حمايتها، فتلقى هو الآخر ضربة قاسية بظهر البندقية بين كتفيه أسقطته على ركبتيه، لكنهم سحبوهما ورفعوهما ركلًا ودفعًا نحو الخارج.

أركبوهما بعنف في مؤخرة السيارة العسكرية التي جاؤوا بها، وانطلقت عبر شوارع باريس المحتلة، حتى توقفت أمام المبنى رقم ٨٤ في شارع "أفينو فوش"، القصر الفاخر الذي استولت عليه قوات الـ "إس إس"، وحولته إلى مقرها الرئيسي ومركزًا للاستجواب والتعذيب.

سحبوهما إلى الأقبية السفلية، وألقوا بهما بقوة في حجرة موحشة، قذرة، ومظلمة تمامًا. أغلق الباب الحديدي خلفهما لتبتلعهما العتمة، ولا أحد يعلم ماذا سيحدث لهما الآن.

❊❊❊

لم يمر الكثير من الزمن، فجأةً انفتح الباب الحديدي، واقتحم الغرفة ضوء كشاف عمى الأبصار، ودخل جندي ألماني ضخم الجثة يجر بيده قيدًا معدنيًا غليظًا، وفي نهايته كلب حراسة أسود بالغ الشراسة. كان الكلب يزمجر بهياج أعمى، وتتطاير رغوة بيضاء من شدقيه، مكشرًا عن أنيابه، ويندفع بجنون محاولًا الانقضاض عليهما، بينما الجندي يغرس كعبيه في الأرض ويشد السلسلة للخلف بصعوبة بالغة لكبح جماحه.

احتمت "أچنيشكا" في حضن چوليان، تتشبث بقميصه ودفنت وجهها في جسده كأنها تستجير به من الموت. كان قلبها يخفق بعنف يكاد يقفز من صدرها. كان "چوليان" يريد التماسك من أجلها، يقاتل بشراسة كي يكون درعها، لكن الأمر كان صعبًا ويفوق طاقة البشر. كان على حافة الانهيار التام، يرتجف من الداخل، ولم يجرؤ حتى على رفع رأسه؛ فكلما حاول النظر، لم يكن يرى سوى الحذاء الجلدي الأسود اللامع للضابط الألماني الذي يقف أمامه كرمز للموت.

خطا قائد الـ "إس إس" بخطوات متمهلة، وقال بصوت أجش؛ للمرة الثانية:

"القد قتلتما الكولونيل!"

حاول "چوليان" أن يفتح فمه ليتحدث وليدافع عن نفسه، لكن الضابط هوى بعصاه على وجه "چوليان" بضربة قوية شقت شفته، ونهره وهو يشتمه:

"اخرس أيها الحشرة! ليس لك الحق أن تتكلم إلا عندما آذن لك! لقد قتلتما الكولونيل، والآن ستواجهان مصيركما وربما سأدخل الكلاب لتأكلكما أحياءً، قطعةً، قطعةً."

أعطى الضابط إشارةً بإصبعه. اندفع جنديان إلى الغرفة، وانقضا عليهما. أمسك الجندي الأول بشعر "أچنيشكا" وذراعها يجرها بقسوة متوحشة، بينما انقض الثاني على "چوليان". تعلقت أصابع "أچنيشكا" بقميص "چوليان"، وصرخت باسمه صرخةً مزقت جدران القبو، لكن الجنود انهالوا على ظهريهما بضربات وحشية بكعوب البنادق.

ضربوا "چوليان" على ظهره حتى سقط يلهث، وانفصلت الأيدي وافترقا. سُحب "چوليان" من ياقته كجثة هامدة، مضروبًا ومهانًا، وألقي به في قاعة باردة، ليواجه محاكمةً عاجلةً بلا دفاع. كان يقف واهنًا، والدماء تنزف من فمه، أمام طاولة طويلة يجلس خلفها ثلاثة جنرالات بوجوه خالية من الإنسانية. لم ينظروا إليه، ولم يستمعوا لتوسلاته بأنه برئ، بل استمعوا فقط لقول الضابط الذي أكد أنهم المتهمون بقتل الكولونيل. لم يناقشه أحد في حرف واحد. ضرب الجنرال الأوسط مطرقته الخشبية ببرود قاتل، وصدر الحكم بالهلاك.

أخذوه مباشرةً إلى الخارج، وعصبوا عينيه بقطعة قماش خشنة قذرة تفوح منها رائحة الدم، وألقوا به في مؤخرة عربة شحن عسكرية معتمة، وأغلقوا الباب المعدني.

بعد رحلة سفر متخبطة وطويلة، توقفت العربة. سحب للخارج، ونزعت العصابة عن عينيه بعنف، ليجد نفسه مقادًا من بوابات حديدية هائلة إلى داخل معسكر "ماوتهاوزن".

دفع بقسوة ليسقط على وجهه داخل عنبر معتم، وأغلق الباب الحديدي خلفه. وعندما اعتادت عيناه على العتمة الكئيبة، تسمر في مكانه من هول المشهد العبثي. كان العنبر يعج بالجنود والأسرى، لكنهم لم يكونوا بشرًا. كانوا هياكل عظميةً تمشي على قدمين. جلودهم ملتصقةً بالعظام، ورؤوسهم حليقةً تمامًا، وعيونهم ميتةً غائرةً في جماجمهم تحدق في الفراغ بلا أمل. كانوا يرتدون ملابس السجن المخططة التي تتدلى على أجسادهم النحيلة كالأكفان الممزقة.

أدرك "چوليان" الحقيقة المفزعة التي تسبح في هذا الهواء المسموم، أن لا أحد، لا أحد سوف يخرج من هنا حيًا.

❊❊❊

بينما كان "چوليان" يساق إلى قدره المظلم، كانت "أچنيشكا" تعيش جحيمًا موازيًا. بمجرد أن انتزعوها من بين ذراعي حبيبها، تعاملوا معها بوحشية جردتها من إنسانيتها. قبض الجندي الألماني الضخم على ذراعها بقسوة، ودفعها دفعًا عنيفًا عبر الممرات الحجرية، متجاهلًا صرخاتها وانهيارها، ليلقى بها في قبو تحقيق كئيب حيث لا مكان لرحمة أو نور.

لم تكن هناك أسئلة أو استجواب للبحث عن الحقيقة، بل كانت جلسة تعذيب، قيدوها بإحكام إلى كرسي حديدي، وتوالت عليها الضربات الموجعة والصفعات القاسية من ضباط الجيستابو الذين تجردوا من كل معاني الإنسانية. تعمدوا إهانتها وتحطيم كبريائها، تاركين الكدمات الغائرة تكسو وجهها وجسدها الرقيق. ثم لجأوا إلى التعذيب البطيء المنهك، فتركوها مقيدةً في صقيع الزنزانة لساعات طويلة محرومةً من النوم، وكلما غابت عن الوعي، أيقظوها بسكب دلاء من الماء المتجمد.

وطوال هذا العذاب الشيطاني، وبغريزة امرأة تدافع عن حبها الأخير، فعلت "أچنيشكا" شيئًا جنونيًا. انتزعت خلسةً سلسلتها الفضية التي تخبئ صورة "چوليان"، وخبأتها داخل فمها تحت لسانها، ضاغطةً عليها بأسنانها بقوة حتى أدمت لثتها. ابتلعت دماءها، وتحملت الصفعات، رافضةً أن يسرقوا منها كنزها الوحيد ورابطها الأخير بالحياة.

بعد ساعات من هذا الجحيم، جروها من قدميها كخرقة باليةً لتمثل أمام المحاكمة الصورية. وقفت مترنحةً، تسندها بنادق الجنود، والدماء تغطي وجهها الذي تورم حتى اختفت ملامحه تمامًا. وقفت أمام نفس الطاولة ونفس الجنرالات الثلاثة. رمقوها باحتقار، ولم يسمحوا لها بنطق حرف واحد، وأصدروا حكم سريع بإرسالها إلى الهلاك.

دفعوها بوحشية، وألقوا بها في مؤخرة عربة شحن خشبية مخصصة للماشية، مكدسةً بالنساء المذعورات. كانت العربة مغلقةً تمامًا، تفوح منها رائحة الخوف والموت، وبعد ساعات من السفر والوقوف المتقطع وسط الجوع والعطش، توقفت العربة في منطقة مستنقعات معزولة وباردة جدًا، لقد وصلوا إلى معسكر "رافنسبروك".

دفعوها خارج العربة ضربًا بالهراوات لتسقط على الوحل. استقبلتهن حارسات الـ "إس إس" اللاتي كن أشد قسوةً ودمويةً من الرجال، تحيط بهن كلاب الحراسة المسعورة وأصوات السياط. أمروهن بالتجرد من ملابسهن بالكامل في العراء وتحت الصقيع القاتل.

تقدمت الحارسة بشفرة حلاقة، وحلقت شعرها الكستنائي بالكامل حتى فروة الرأس بعنف أدمى جلدها، لتمحوا أي أثر لهويتها. ألقت إليها بأسمال مخططةً مهترئةً لتلبسها.

وقفت "أچنيشكا" حليقة الرأس، مشوهةً، وحافية القدمين على الوحل وسط عشرات السجينات. نظرت إلى السماء الملبدة بالغيوم، وهي تبتلع طعم دمائها وطعم معدن السلسلة في فمها، وتدرك بيقين أن الموت هنا ليس عقابًا، بل هو أمنيةً عزيزةً لن تنالها بسهولة.

❊❊❊

مرت أربع سنوات طاحنةً على "چوليان" داخل أسوار معسكر "ماوتهاوزن". ألف وأربعمائة يوم، تحول فيها أستاذ الكيمياء الأرستقراطي الأنيق إلى مجرد رقم باهت موشوم على ذراع نحيلة. قاسى جحيم محجر الجرانيت، وحمل الصخور الثقيلة على ظهره صعودًا عبر ما كان يسمى بـ "سلالم الموت". تساقط رفاقه عليها من حوله كأوراق الخريف. لم يبق منه سوى شبح يتنفس، ولم يبقه حيًا وسط طاحونة العظام هذه سوى طيف "أچنيشكا"؛ كان يستحضر وجهها كل ليلة ليدفئ به روحه.

وفي صباح أحد أيام شهر مايو من عام ١٩٤٥، استيقظ المعسكر على شيء غير مألوف، صمت مطبق. اختفت أصوات الكلاب المسعورة، وصراخ الحراس، ولا طلقات الإعدام الصباحية. كان هدوءًا مريبًا وثقيلًا. وفجأةً, اهتزت الأرض تحت أقدامهم، وسمعوا هدير محركات ضخمة تقترب. لم تكن دبابات ألمانية، بل كانت دبابات ومدرعات القوات الأمريكية التي حطمت البوابات الحديدية الضخمة للمعسكر، لتعلن نهاية الكابوس.

اندفعت القوات الأمريكية إلى الداخل شاهرين أسلحتهم، لكنهم سرعان ما خفضوها، وتسمروا في أماكنهم من الذهول. سقطت البنادق من أيدي بعضهم، ووضع آخرون أيديهم على أفواههم في صدمة مرعبة، وهم يرون الجحيم ماثلًا أمامهم.

خرج "چوليان" من عنبره يجر قدميه الحافيتين بصعوبة بالغة، ووقف في الساحة الكبرى يتأمل المشهد. توجه الجنود الأمريكيون نحو العنابر المعزولة في أقصى المعسكر، حطم الجنود أقفالها، وفتحوا أبوابها الثقيلة، وأطلقوا سراح أسرى لم يرهم من قبل.

كان المشهد سرياليًا وممزقًا للقلوب. التقت العيون الغائرة ببعضها البعض، ونظر المساجين القدامى إلى المساجين المجهولين. لم تكن فرحة التحرر صيحات بهجة أو قفزات في الهواء، فقد كانت الأجساد أضعف من أن تحتفل، والأرواح أثقل من أن تطير. كانوا ينظرون لبعضهم البعض وكأنهم موتى بعثوا من قبورهم في يوم القيامة، يتساءلون في صمت مهيب: هل نجونا حقًا؟ أم أننا متنا وهذا هو العالم الآخر؟

سقط "چوليان" على ركبتيه وسط هذا الحشد. رفع وجهه الهزيل نحو السماء المفتوحة، ولأول مرة منذ أربع سنوات، انحدرت دمعة ساخنة وحقيقية لتغسل الأوساخ المتراكمة على خده. لقد تحرر أخيرًا، انتهى عذاب الجسد، لكنه أدرك في تلك اللحظة أن عذاب النفس قد بدأ للتو؛ فعليه الآن أن ينهض من وسط هذا الركام، ليخرج إلى قارة أوروبية مدمرة بالكامل، ويبحث عن إبرة في كومة رماد، عليه أن يجد "أچنيشكا".

❊❊❊

نقل "چوليان" إلى مستشفى في النمسا. ظل هناك شهرًا كاملًا، يتلقى الرعاية الطبية، محاولًا استعادة جزء من وزنه المفقود وقوته المسلوبة، حتى استطاع الوقوف على قدميه مجددًا، ليعود إلى وطنه.

وعندما وطأت قدماه أرض باريس، لم يتعرف على المدينة التي تركها خلفه. كانت الشوارع شاحبةً، كئيبةً، والمباني تحمل ندوب الرصاص. تغيرت سلوكيات الناس تمامًا؛ اختفت الأناقة الباريسية، والضحكات التي كانت تملأ المقاهي، وحلت محلها نظرات التوجس، والشك، والوجوه المتشككة. كان الجميع يمشون مسرعين، كأنهم يهربون من ظلالهم، والنفوس مثقلةً بمرارة الاحتلال وقسوة السنوات الخمس.

استقبلته المسؤولون في الحكومة الفرنسية بحفاوة ممزوجة بالأسى. أنهوا أوراقه سريعًا، وأوصلوه في سيارة حكومية إلى بيته القديم.

وقف "چوليان" أمام بوابة بيته، وتأمل المشهد بقلب يعتصره الألم. كانت الحديقة التي طالما اعتنى بها قد ماتت تمامًا، ذبلت زهورها، وتحولت أوراق أشجارها إلى أعواد جافةً تكسرها الرياح. أدخل المفتاح في الباب، وما إن فتحه حتى استقبله هواء راكد محمل برائحة التراب والهجران.

كان البيت من الداخل عبارة عن فوضى عارمة. كان المكان متسخًا بشكل مروع، والأثاث ممزقًا، وأدراج المكاتب مخلوعةً، والكتب والأوراق العلمية متناثرةً في كل زاوية. كان من الواضح أن الألمان قد فتشوا المكان بوحشية منذ فترة بعيدة بحثًا عن أي دليل، ثم تركوه كجثة هامدة.

لم يستسلم "چوليان" للبكاء. أراد أن يستعيد إنسانيته المفقودة ولو بتنظيف هذا الركام. أحضر مكنسةً، وراح يلملم الأوراق وأغصان الشجر المتناثرة والتراب ببطء. كان يكنس وهو شارد الذهن، حتى اقترب من عتبة الباب الخارجي.

هناك، وسط كومة من التراب، لفت نظره شيء مختلف. ورقة صفراء مطويةً، يبدو أنها دست من أسفل الباب لتستقر في الداخل. انحنى والتقطها. مسح الغبار عنها، وما إن وقعت عيناه على السطور الأولى، حتى سقطت المكنسة من يده.

اتسعت عيناه، وشلت أطرافه؛ لقد كان الخط خط "أچنيشكا"!

فتح الورقة بلهفة، وقرأ رسالةً مؤلمةً كتبت بحروف مهتزة، تقول فيها:

"حبيبي چوليان، أنا مررت من هنا. أكتب لك هذه الكلمات ولا أدري إن كنت حيًا لتقرأها، أم أن الحرب قد سرقتك مني للأبد. لقد كنت في معسكر 'رافنسبروك'، ونجوت، لكنني ما زلت أعاني ألمًا مبرحًا من آثار إصاباتي ومن التعذيب المتوحش. أنا لا أعلم إن كنت حيًا أو ميتًا، لكنني سأعيش على أمل لقائك. سأمضي الآن لأبحث عن مأوى، وسأحاول أن أمر على هذا الباب مرةً أخرى، وأنا لا أدري إن كانت الحياة ستمنحني تلك الفرصة مرةً ثانيةً، أم لا."

سقط "چوليان" على ركبتيه وسط الغبار، قابضًا على الورقة الصفراء كأنها قطعة من الجنة. ضمها إلى صدره، وأجهش يبكي بكاءً مريرًا. بكاء رجل عاد من الموت ليجد أن الحياة قد سبقته بخطوة واحدة، وتركته تائهًا يحمل رسالةً هي كل ما تبقى له!

❊❊❊

انطلق "چوليان" في رحلة بحث محمومة يقتفي أثرها. ذهب في البداية إلى مقار الشرطة وقسم المفقودين، لكنه وقف مذهولًا أمام آلاف من الحالات المشابهة، وطوابير من البشر يبحثون عن أحبائهم الذين لم يعودوا. أدرك أن السجلات الرسمية لن تسعفه، فقرر أن يبحث بنفسه.

ذهب إلى سكنها القديم، لكنه لم يجد هناك سوى ذكراها العالقة على الجدران. طاف بصورتها يسأل الجيران وأصحاب المتاجر، فلم يتعرف عليها أحد. أسند رأسه مفكرًا، وظن أن وجهها تغير من سنوات العذاب، وأن الجحيم قد طمس ملامحها، فصارت الصورة بلا قيمة.

حاول أن يجد أي معلومةً، يطوف الشوارع كشبح ضال، حتى توقف أمام كشك للجرائد. قرأ خبرًا صغيرًا في الجريدة يفيد بأن هناك مؤسسة تقيم مؤتمرًا لمساعدة النساء اللاتي تعرضن للتعذيب.

في تلك الليلة، ذهب إلى المؤتمر. جلس في القاعة وشاهد النساء وهن يحكين عن تجربتهن في الأسر، وكم العذاب الذي تعرضوا له.

بعد المؤتمر، التقى بعدد منهن اللاتي كن في نفس معسكر "أچنيشكا". عرض صورتها، حتى ميزتها إحداهن. قالت المرأة؛ إن "أچنيشكا" كانت مميزةً جدا، وأراد الألمان أن يستفيدوا من علمها بدلًا من قتلها، فجعلوها رئيسةً للعنبر، لأن السجينات كن يحببنها ويثقن بها، وأضافت أنها بالرغم مما تعرضت له من تنكيل وتعذيب خلال سنتها الأولى، إلا أنهم جنبوها الكثير من الأعمال الشاقة، ولكن لم يتوقفوا عن إهانتها وضربها.

وختمت المرأة حديثها بتفصيلة زلزلت كيانه:

"أيضًا كانت المرأة الوحيدة التي سمحوا لها أن تحمل على عنقها ميداليةً على هيئة قلب!"

تركها "چوليان" وهو يحمل في قلبه غصةً مريرة. أراد أن يجدها، ليسترجع قلبه المعلق في عنقها. نشر إعلانًا في الجرائد بصورتها لمدة أسبوع، وجلس ينتظر، ولم يتصل به أحد.

سافر مسرعًا إلى مسقط رأسها في بولندا، سأل وبحث، فلم يجد لها أثرًا. بل نشر نفس الإعلان في الصحف البولندية، فجاءت النتيجة صفريةً. أسقط في يده، وتلاشت آماله، فرجع إلى منزله في باريس محطم القلب.

❊❊❊

لم تكن قصة "چوليان" لتبقى طي الكتمان. في أوائل الستينيات، أجرى صحفي شاب مقابلةً معه حول إنجازاته العلمية، لكن عين الصحفي التقطت تلك الورقة الصفراء القديمة المحفوظة داخل إطار زجاجي صغير على مكتبه. ضغط الصحفي بأسئلته، فانهار سد الصمت، وباح "چوليان" بقصته كاملةً.

وهنا، سأله الصحفي بنبرة حذرة: "ربما تكون قد توفيت على مر السنين يا سيدي؟"

اعتدل "چوليان" في جلسته، وقال بنبرة قاطعة لا تقبل الشك:

"لن أهدأ قبل أن أعرف يقينًا ما حدث لها؛ هل ماتت؟ وأين ماتت؟ وكيف حدث هذا؟ غير هذا، فهي ما زالت حيةً. أنا رجل علم واستنتاجات، وكل الاستنتاجات تقول إنها حية."

وفي اليوم التالي، تصدرت المأساة كبريات الصحف الباريسية وتوالت اللقاءات الكثيرة في الصحف والإذاعات، وتحول "چوليان" إلى أيقونةً، والكل عرف قصته وما يبحث عنه.

منذ ذلك اليوم، تحلت حياته إلى مسرح قاس من الآمال الكاذبة. انهالت عليه الخطابات الكثيرة، ورن جرس هاتفه آلاف المرات في أنصاف الليالي، وتلقى اتصالات أكثر من نساء وحيدات. كل واحدة منهن تدعي أنها "أچنيشكا"، ينسجن حكايات وهميةً عن الضياع خلف الستار الحديدي. وبالرغم من ذلك، كان يركض خلف أي خيط مهما كان واهيًا، حتى تلاشت كل أماله أدراج الرياح.

مرت السنوات ثقيلةً. تساقطت أوراق التقويم ورقةً تلو أخرى، حتى ابتلع الزمن خمسة وثلاثين عامًا، ووقف العالم في عام ألف وتسعمائة وثمانين.

خلال تلك العقود الطويلة، اشتعل رأس چوليان بالشيب، وتقوس ظهره قليلًا، لكن عينيه الرماديتين ظلتا تشتعلان ببريق عنيد؛ بريق رجل يرفض أن ينسى. كان طيف "أچنيشكا" يرافقه دائمًا، يجلس معه على طاولة الإفطار، ويراقبه وهو يعمل بين أنابيب الاختبار. لم ينسها مرةً واحدةً، وظل قلبه معلقًا بتلك السلسلة الفضية التي لم يجدها أبدًا.

أدرك "چوليان" أن قلبه لم يعد يحتمل المزيد من الصدمات. وحذره الأطباء من الانفعالات، فأغلق باب بيته، واعتزل الناس، وصب كل غضبه ويأسه وحزنه في بوتقة العلم. تحول مختبره إلى صومعته المقدسة. أجرى أبحاثًا كثيرة، وابتكر مركبات كيميائيةً ساهمت في إنقاذ حياة الآلاف. تدرج وترقى في العمل الأكاديمي، ونال أرفع الأوسمة، وأصبح من نبغاء الكيمياء المعدودين في العالم. بات أستاذًا مرموقًا يشار إليه بالبنان، لكن كل هذا المجد لم يكن يوازي في عينيه نظرةً واحدةً من عيني حبيبته.

وفي أحد أيام الخريف، كان يجلس على كرسيه الهزاز يتأمل قطرات المطر، عندما سلمه ساعي البريد مظروفًا رسميًا فخمًا؛ دعوةً رسميةً من مؤسسة علمية لحضور مؤتمر يقام في العاصمة السوفيتية موسكو، لتكريمه ومنحه وسامًا رفيعًا على مجمل إنجازاته.

حزم حقائبه وفي جيب سترته الداخلي، بالقرب من قلبه المتعب، دس تلك الورقة الصفراء القديمة التي تحمل كلماتها. أغلق حقيبته، وألقى نظرةً أخيرةً على بيته الصامت، ثم استقل سيارةً نحو المطار، وسافر إلى موسكو.

❊❊❊

استقبلته المسؤولون في استقبالًا حافلًا يليق بعالم فذ، وأقلوه في سيارة رسمية إلى فندق "ناشيونال"، الواقع في شارع "موخوفايا"، والذي يطل مباشرةً على الميدان الأحمر وأسوار الكرملين.

في الليل، حضر المؤتمر العلمي. كان الحفل رائعًا ومهيبًا، حيث تم تكريمه ومنحه أرفع الأوسمة. وبعد انتهاء المراسم، قرر أن يبقى يومين إضافيين ليستكشف المدينة.

في عصر اليوم التالي، ذهب يتمشى في الشوارع. وبينما هو يسير، وجد محلًا لتصفيف الشعر والحلاقة، فقرر أن يدخل ليحلق ويريح جسده المنهك.

جلس على الكرسي، وبدأ الحلاق يوزع الرغوة البيضاء على ذقنه. ومن خلال المرآة أمامه، لاحظ "چوليان" خيالًا يقف خارج المحل وينظر إلى الداخل. التفت ليرى ما هذا، فوجد امرأةً تقترب من نهاية الخمسينيات أو بداية الستينيات من عمرها.

عندما التقت عيناه بعينيها، توقف الزمن تمامًا. في تلك العيون الداكنة، وجد وطنه الضائع. لا يمكن أن ينسى ذلك الوجه مهما كبر أو خطت السنين تجاعيدها عليه، لن ينساه طوال حياته، لقد كانت "أچنيشكا"!

كانت تنظر إلى المحل وكأنها تنظر إلى لا شيء. لم يصدق عينيه. قام مسرعًا كالمجنون، مسح الصابون عن ذقنه بالمنشفة، واندفع خارجًا تاركًا الحلاق في ذهول.

وقف أمامها مباشرةً يلهث، وأمسكها من ذراعيها. نظرت إليه بابتسامة ثابتة، ولم تتحدث.

قال "چوليان" وصوته يختنق بالبكاء: "أچنيشكا! أنا لا أصدق عيني! إنه أنت أخيرًا!"

اندفع يحتضنها، لكن لم يكن هناك أي رد أو انفعال، بل ابتعدت لتنظر إليه. كان على وجهها اندهاش، تكسوه ابتسامة بسيطة.

قال بصوت مكسور:

"ألا تعرفينني؟ أنا 'چوليان'! ماذا حدث لك يا أچنيشكا؟ هل تذكرينني؟"

في هذه اللحظة، ظهرت امرأة تصغرها سنًا، تهرول نحوهما، وقالت بفرنسية طليقة:

"عذرًا يا سيدي لو أزعجتك. هيا بنا يا إيلينا."

اتسعت عينا "چوليان" صدمةً، وقال بصوت راجف:

"إيلينا? ما هذا? من? هذه ليست إيلينا! إنها أچنيشكا، حبيبتي التي أبحث عنها منذ خمسة وثلاثين عامًا! هل تعرفينها يا سيدتي؟"

التفتت المرأة إليه، وقالت بنبرة معتذرة:

"اعذرني يا سيدي. أنا ممرضة بولندية، وكنت أعمل لسنوات طويلة في أحد المستشفيات الفرنسية. لقد وجدناها بعد النصر هائمةً في محطة القطارات، لا تعلم من هي ولا تدري ماذا فعلت. أخذناها إلى المستشفى ثم عاشت معي. لقد أحببتها، إنها إنسانة ذكية ولطيفة بالرغم من كل شيء، لكنها لا تعلم شيئًا عن ماضيها. إنه 'ألزهايمر' يا سيدي."

كانت الكلمات تضرب رأس "چوليان" كمطارق من حديد. استدار ببطء نحو "أچنيشكا"، وقبض على يديها المرتجفتين. لم يرد أن يسرد حكايةً، بل أراد أن يبعث الحياة في مشاهد الماضي ليراها عقلها الغافي. اقترب منها، وقال بصوت يقطر ألمًا:

"انظري في عيني يا أچنيشكا، أنا چوليان! ألا تذكرين شوارع باريس؟ المطر الذي بلل معطفينا ونحن نركض متعانقين؟ رائحة القهوة الساخنة في مطعم 'لو فوكيتس'؟ ألا تذكرين مختبرنا الكيميائي؟"

كانت تنظر إليه بعينين خاويتين، والابتسامة الباهتة لم تفارق شفتيها. هزه الرعب، فرفع صوته المذبوح قليلًا، وراح ينحت الصور أمام عينيها:

"ألا تذكرين ليلة الغزو؟ دوي المدافع؟ الكولونيل الألماني المسمم، ألا تذكرين مسدس قائد الـ 'إس إس' المصوب نحو رأسك، وكيف قفزت أنا لأتلقى الرصاصة بدلًا منك؟ أفلا تذكرين؟ أرجوك، أفلا تذكرين؟"

ابتلعت ريقها بخوف طفيف، وهزت رأسها ببطء، فانهار كبرياؤه. سقط على ركبة واحدة أمامها في الشارع، والدموع تغسل تجاعيد وجهه، وصرخ بحشرجة تمزق الروح:

"أرجوك يا أچنيشكا، ومضةً واحدةً، أفلا تذكرين؟"

لكنها كانت تنظر إليه باستغراب تام، وهدوء طفولي قاتل، وهزت رأسها بالنفي. وهنا تذكر شيئًا، فأدخل يده المرتجفة مسرعًا في جيب معطفه، وأخرج ورقتها الصفراء القديمة، ورفعها أمام عينيها قائلًا بانكسار أخير لرجل فقد آخر قلاعه:

"ألا تذكرين تلك الورقة؟ لقد دستيها تحت باب منزلي! إنها بخط يدك!"

هزت رأسها بالنفي، ونظرت إلى الورقة المهترئة، وسألته ببراءة لا ترحم: "هل هذه من حبيبتك؟"

لم يستطع "چوليان" الإجابة وهو يراها في تلك الحالة العبثية. خارت قواه، وراحت دموعه تنساب على خده بغزارة، يبكي قهرًا على حبه. عندما رأت دموعه، مدت يدها الرقيقة، وبحنان مسحت تلك الدمعة عن خده، وقالت بصوت دافئ:

"لقد كنت تحبها حقًا، اطمئن، ربما تجدها في يوم من الأيام."

أدخل يده المرتجفة في جيبه الداخلي، وأخرج صورتها التي التقطت قبل خمسة وثلاثين عامًا. نظرت "أچنيشكا" إليها، وقالت بابتسامة صافية:

"عندك حق، إن فيها الكثير من ملامحي، ولكنها لست أنا بالتأكيد. سأصنع معك اتفاقًا، سأحتفظ بصورتها، ربما أقابلها صدفة في يوم من الأيام."

ثم طلبت عنوانه. وقفت المرافقة البولندية في حالة ذهول مطلق، تهمس بأنها طوال سنوات معرفتها بها، لم ترها تتحدث بمثل هذه الحميمية والاندماج مع أي إنسان!

أملى "چوليان" عنوان منزله في باريس، وهو ينظر بعمق في عيني "أچنيشكا" المبتسمة، لعلها تتعرف على أي شيء من نطق العنوان. أخذت الورقة، وطوتها في جيبها، وقالت له بيقين بريء:

"صدقني، سأبحث عنها."

ثم استدارت لتمضي مع صديقتها، وسط تشييع نظرات "چوليان" المنكسرة لها. لكنها فجأةً توقفت. استدارت، وعادت لتقف أمامه مجددًا، وقالت بنبرة رجاء:

"ربما قد تساعدني أنت أيضًا!"

ثم رفعت يديها إلى عنقها، وخلعت تلك السلسلة الفضية التي طالما ارتدتها كتعويذة. فتحتها لتكشف عن صورته هو في شبابه، وأعطتها له قائلةً:

"احتفظ بها، وإذا صادفته، فأعطه عنواني! وأخبره أني في انتظاره"

أخرجت المرافقة ورقةً، وكتبت عليها عنوانهما في موسكو بسرعة، وأعطتها لـ "چوليان".

تسلم "چوليان" السلسلة والورقة. التقط قلبه المعدني البارد، وابتسم رغمًا عنه، وانهمرت دموعه كطفل صغير يبكي ضياع عالمه. وقفت هي تنظر إليه بطيبة وابتسامة صافية، ثم تركته، وذهبت لتلحق بالترام.

تسمر "چوليان" واقفًا في مكانه وهو يراها تختفي، غير مصدق نفسه، يبكي وحيدًا على الرصيف، وهو يمسك بقلبه بين يديه، ويتمنى من أعماق روحه الممزقة، أنه لم يسترده أبدًا.

هنري ماكسويل