بقلم هنري ماكسويل
هناك أناس يولدون وفي تكوينهم حنينٌ إلى العزلة. كان "محمود" منذ نعومة أظفاره نسيجا وحده، كأنما خلق من طينة لا تنتمي لهذا العالم. كان يقضي ساعات فراغه غارقا في فك طلاسم البرمجيات، ليبني بها عوالمه الرقمية. لم يكن اختلافه نفسياً فحسب، بل امتد لعمق أوردته؛ فقد اكتشف الأطباء في طفولته مصادفة أن فصيلة دمه تنتمي لنوع بالغ الندرة، شذوذ جيني يجعله واحداً في المليون. مجرد معلومة طبية دونت في دفتره الصحي.
تخرج محمود من الجامعة يظن أن الدنيا قد فتحت له أبوابها على مصراعيها. شاب، مهندس كومبيوتر، لامع الفكر، عمل هنا قليلا وهناك قليلا. كان يعود إلى زوجته "سميحة" ليقول لها إن القادم أفضل، وإن العمر ما يزال في أوله، وإن الرجل لا يقاس بما يملكه اليوم بل بما سيملكه غدًا.
كانت تصدقه لأنها أحبته بصدق يتجاوز المنطق، وأحبها محمود أيضاً لأشياء كثيرة: طيبتها أولا، ثم خجلها، ثم اسمها.. ذلك الاسم القديم الذي كان يراه كقطعة حلوى من زمن أنقضى، اسماً يشبه الأمهات الطيبات. كان يقول لها ضاحكا:
"لو لم أتزوجك من أجل قلبك، لتزوجتك من أجل اسمك وحده"فتخفض عينيها وتضحك بخجل.
كانوا يظنون أن الحب وحده يكفي لترويض قسوة الأيام. كانت الشقة في الإسكندرية ضيقة، أصغر بكثير من الأحلام التي طرقت بابها، لكنها في أشهرهما الأولى كانت تبدو لهما قصرًا منيفًا. كرسيان فقط في الصالة، وستارة خفيفة تتحرك مع هواء البحر، وطبق فول على العشاء، وكوبان من الشاي الساخن، ثم حديث طويل يمتد حتى الفجر عن البيت الذي سيأتي، والسيارة، والطفل الذي سيملأ الدنيا ضجيجًا.
لكن الحب يدفئ الروح نعم، غير أنه لا يدفع الإيجار، ولا يشتري الدواء. وحين حملت سميحة، جاء العرض المنتظر. عقد عمل في إحدى الدول النفطية، راتب خيالي، شركة كبرى، ومستقبل يلمع كالذهب. جلست أمامه، تتحسس بطنها الصغير، والدموع تترقرق في عينيها الواسعتين، وقالت بصوت متهدج، يقطر رجاء:
"لا تسافر يا محمود، ما زلنا في أول العمر. سنعمل سويًا، ونشد آزر بعضنا. ليست هناك أموال في الدنيا تستحق أن نضيع أعمارنا من أجلها."لكن منطق الأرقام الذي يحكم عقله أبى أن يستمع لمنطق القلب. جلس أمامها طويلًا، يشرح لها ببرود أن الحياة الآن مادة، وأن الرجل إن لم يؤمن بيته صار عالة على من يحب، وأن هذه فرصة لا تأتي مرتين. وحين انهارت في البكاء، أمسك بيديها وقبلهما بحرارة، وأقسم لها وعيناه تفيضان بالصدق:
"أقسم لك أنك أنت وما تحملينه أعز ما أملك."لقد كان صادقًا تماما.. صادقًا كما يكون الرجال وهم يتعهدون بمحاربة غول لم يختبروا قسوته بعد.
وضعت حملها، وجاء طارق. طفلًا صغيرًا دافئًا، تفوح منه رائحة اللبن والملابس الجديدة، بأصابع دقيقة كأنها لم تكتمل بعد. اختار له محمود الاسم بنفسه، رفعه بين ذراعيه بفخر واعتزاز وقال:
"هذا سيكبر ويكون أحسن مني"وبعدها بأسابيع قليلة، حزم حقائبه وقرر السفر.
ظل يوم الوداع معلقًا في صدر سميحة، كما يعلق الشوك في الحلق فلا يخرج ولا يبتلع. أصرت أن تذهب معه إلى المطار. حملت الطفل، وأخذت حقيبة صغيرة فيها زجاجة ماء، ورضاعة، وصورة قديمة لهما من أيام الجامعة، خبأتها بين ملابسه كأنها تخشى أن ينسى ملامحها إذا ابتعد. في الطريق، كان محمود يتكلم عن المستقبل: شقة أكبر، فيلا، مدارس لغات، سفر، وبيت تحيط به حديقة. أما هي، فكانت تنظر من زجاج السيارة إلى الأسفلت، تمسح على رأس طارق النائم، وتلوذ بصمت موجع.
في المطار، بدا كل شيء ضخمًا وقاسيًا. وجوه مستعجلة، حقائب تسحب على الأرض كأنها تجر أصحابها إلى مصائر مجهولة، ونداءات باردة تنطلق من مكبرات الصوت لا تراعي قلب امرأة على وشك أن تترك وحيدة. وقف محمود أمامها مرتبكًا للمرة الأولى. ناولته جواز سفره، سوت له ياقة قميصه بيديها المرتجفتين، ونفضت عن كتف سترته ذرة غبار، ثم رفعت طارق نحوه. قبل طارق طويلًا، ثم طبع قبلة متعجلة على جبينها، فقالت له بصوت جاهدت ألا ينكسر:
"لا تتأخر يا محمود."رد بابتسامة، وعينين تلمعان بالأمل:
"أشهر قليلة فقط يا سميحة، وأرسل لكما، ونبدأ حياتنا معاً"ثم استدار ومشى.
ظلت تتبعه بعينيها الدامعتين حتى ابتلعه الزحام، ثم ابتلعه حاجز الزجاج، ثم اختفى تمامًا. وحين ارتفعت الطائرة وشقت كبد السماء، شعرت سميحة أن شيئًا من صدرها، من روحها، قد انتزع وارتفع معها ولن يعود أبدًا.
لم تكن تطلب المستحيل؛ كانت تريد فقط رجلًا يعود آخر النهار، حتى لو عاد متعبًا، حتى لو عاد خالي اليدين، حتى لو جلس صامتا يحدق في الفراغ. فالأمان عند النساء ليس رصيدا يضخ في البنوك.. الأمان أحيانا هو مجرد صوت مفتاح يدور في قفل الباب آخر الليل، وحذاء رجل ملقى بإهمال في مدخل البيت.
عادت إلى الإسكندرية وحدها، والطفل نائم في حضنها، والليل طويل وموحش. كانت تخاف، تخافه فعلًا لا مجازًا. تخاف أن ينقطع التيار الكهربائي فتغرق في العتمة، تخاف أن تسمع حفيفًا مريبًا عند الباب، تخاف أن يمرض الطفل فجأة فترتبك في طرقات المستشفيات، تخاف أن يرن الهاتف بعد منتصف الليل فيسقط قلبها بين قدميها، تخاف أن يمرض قلبها هي فلا تجد من يناولها كوب ماء.
كانت تشعل نور المطبخ وتتركه مضاء حتى الفجر، وتترك المذياع مفتوحًا، أي صوت بشري، المهم ألا تشعر أنها وحيدة في تلك الشقة فارغة. وكان كل دق على الباب يجفلها كعصفور مذعور. لكنها ابتلعت ريقها المر وصبرت، لأنها تحب محمود، ولأنها أوهمت نفسها أن الغياب مؤقت، وأن المرأة الأصيلة تتحمل قليلًا ليكبر بيتها.
في البداية، كان يتصل بها بالساعات. يحكي لها عن الشركة، عن مديره الأجنبي، عن زملائه. وكانت تستمع، وتحكي له عن طارق: كيف ابتسم في نومه، كيف بدأ يحبو، وكيف نطق أول كلمة. اتفقا أن ترسل له كل يوم صورة لها ولطارق. وكانت تفعل بحب؛ صورة على السرير، صورة في الشرفة، وصورة لها بعينين مرهقتين يحيط بهما السواد، لكنها ترسم ابتسامة شاحبة كي يطمئن ولا يقلق.
ثم، وببطءٍ شديدٍ وقاسٍ، بدأت حياته هناك تتمدد. ترقى في عمله، ثم ترقى ثانية، وصار اسمه يتردد في أروقة الشركة. بدأ المال يتدفق كالسيل، وتضخم الحساب البنكي، وخرجت الأحلام القديمة من حيز الورق إلى أرض الواقع. انتقلا للقاهرة، اشترى فيلا فاخرة في التجمع الخامس، واشترى سيارتين فارهتين، وألحق طارق بواحدة من أرقى المدارس الدولية. كل هذا كان يحدث، كأنما هناك يد خفية تبني قصرًا كاملًا، بينما صاحب القصر غائب لا يسكنه.
لكن، في مقابل هذا البناء المادي، كان هناك شيء أثمن ينهار بالتدريج. الصور اليومية صارت ترسل يوما بعد يوم، ثم مرة كل أسبوع، ثم مرة كل شهر، ثم توقفت تماما. في البداية انتبه وسأل، فتحججت بأن طارق كبر وصار يمل من التقاط الصور. طلب صورتها هي، فضحكت بمرارة الجفاء وقالت:
"أنا لم أتغير يا محمود، أنت تعرفني".فضحك وانشغل ومضى. ثم شحت المكالمات، صارت قصيرة، مقتضبة، دائما تحت رحمة فروق التوقيت، أو اجتماع طارئ، أو رحلة عمل مستعجلة. وكانت كلما فتحت له بابا صغيرا لتبثه وحشتها وخوفها، سده هو بلطف قائلا:
"اصبري قليلًا يا سميحة، مسؤولياتي كبرت، وأنا أفعل هذا كله من أجلكما."وكانت تبتلع الغصة، وتصمت.
مرت السنوات، ثقيلة. كان يأتي خلالها أيامًا معدودة، ثم يرحل كضيف شرف. يحضر محملا بحقائب متخمة: ساعات سويسرية، هواتف حديثة، عطور باريسية، وأشياء كثيرة فارهة لم يكن البيت الخاوي من الروح يعرف ماذا يفعل بها. كان يعانق طارق الذي استطال وصار شابا يافعا، يسأله عن دراسته وتمارينه في السباحة، ثم يربت على كتفه بفخر رجل يرى مشروعه الاستثماري ينجح، ولم يلاحظ أبدا أن الولد صار يتحدث معه بأدب جم، أدب بارد، كأن بينهما مسافة رسمية لا يمكن عبورها.
ولم يلاحظ محمود شيئا آخر. لم يلاحظ أن سميحة لم تعد تشكو غيابه! والمرأة، أي امرأة، حين تكف تماما عن الشكوى، فهذا لا يعني أبدا أنها ارتاحت أو تقبلت الأمر، بل يعني أنها تعبت من الجهر بوجعها، فمات داخلها الأمل.
لم يلاحظ أن ضحكتها الرنانة صارت تؤدى كواجب اجتماعي ثقيل، ولا أن الفيلا الشاسعة التي بناها لم يسكنها الدفء يوما، ولا أن ابنه حين كان يحرز ميدالية ذهبية في بطولات السباحة، كان يخرج من الماء ليلتفت فورا إلى المدرجات باحثا عن عيني أمه، متجاهلا تماما الفراغ البارد في المقعد الذي كان ينبغي أن يجلس فيه أبوه.
ثم جاءت القشة التي أجهزت على ما تبقى. سافر محمود إلى أمريكا في مهمة عمل لستة أشهر. هاتفها فور وصوله، ثم انخرط في دوامة لا ترحم من العمل والاجتماعات، ولم يحدثها بعد ذلك حتى انقضت الأشهر الستة. هناك، فُتحت له أبواب السماء دفعة واحدة؛ ترقية كبرى لمنصب المدير التنفيذي، إقامة دائمة في الولايات المتحدة، وعالم كامل جاهز ليلتهم ما تبقى من عمره، ويعطيه في المقابل كل شيء، كل شيء إلا ما فات من سنين.
قرر أخيرا أن يعود إلى مصر ليفاجئهما. هذه المرة، سيأخذهما معه بلا رجعة. انتهى التأجيل، مات العذر، وسيلتحق طارق بجامعة كبرى كما خطط له. كل شيء مرتب بدقة متناهية.
اتصل بها من المطار قبل صعود الطائرة. قال بصوت يقطر بنشوة المنتصر:
"استعدي يا سميحة، أنا قادم، ونهائيا."قالت بصوت خافت:
"أنا على شوق لرؤيتك، أكثر من أي وقت مضى."قال منتشيًا:
"تأخر حلمنا كثيرًا، لكنه وصل في النهاية."ردت بهدوء:
"كم أتوق إلى أن أرى السعادة على وجهك ونحن نحققه معا".هبط في المطار كفاتح عظيم عائد من معركة أسطورية. كان يجر خلفه حقائب ضخمة؛ هدايا اختارها بنفسه، كأنه يحاول رشوة الزمن ليعوض سنوات الغربة في ليلة واحدة. استقل سيارة فاخرة وانطلق نحو فيلته. طوال الطريق، كان خياله يرسم المشاهد القادمة: كيف سيدير المفتاح في الباب، كيف ستشهق سميحة من المفاجأة، كيف سيقفز طارق في حضنه، كيف سيخبرهما أن كابوس البعد قد انتهى. كان الليل ناعمًا، أضواء المدينة تلمع، والأشجار على جانبي الطريق تبدو مرتبة، كأن الكون بأسره يتواطأ لتهيئة مسرح يليق بفرحته المستحقة.
وصل إلى الفيلا. دس المفتاح في الباب وفتحه.
وجد سميحة جالسة في بهو الاستقبال، بكامل أناقتها، في أبهى صورة رأتها عيناه يوما. كانت جميلة على نحو أوجعه، كأن الزمن مر على وجهها وقرر لسبب مجهول ألا يمسه بتجعيده واحدة. وقفت حين رأته، سارت نحوه واحتضنته في شوق.
في تلك اللحظة بالذات، ضربه تأنيب ضمير حاد، نصل بارد اخترق ضلوعه. هذا العناق الهادئ كان أكبر بكثير من استحقاقه! بعد كل هذا الغياب القاسي، بعد كل هذا الإهمال، ما زالت تستقبله كأنه خرج البارحة فقط لعمله وعاد. تنفس بعمق، فشم فيها نفس الرائحة القديمة، ذات العطر الخفيف الذي كانت تضعه أيام الجامعة. كاد أن يجهش بالبكاء من فرط طيبتها.
ثم تذكر فجأة، فابتعد عنها قليلا، وتلفت حوله بابتسامة واسعة تغمر وجهه متسائلا:
"أين طارق؟ هل نام مبكرا؟"نظرت إليه طويلا، عيناها ثابتتان، لا ترمشان، ولم ترد. ظنها تمازحه، وتريد أن تطيل أمد المفاجأة، فضحك بصوت مرتفع وهو يخلع سترته:
"يا ستي أين البطل؟ أريد أن أراه"!عندها، ابتسمت. ابتسامة واسعة، مريحة ظاهريا، لكن في قاعها السحيق كان يقبع خراب العالم كله. وقالت بنبرة جليدية، هادئة إلى حد يوقف سريان الدم في العروق:
"طارق مات."لم تفهم أذناه الجملة من المرة الأولى. لفظها عقله كأنها هلوسة سمعية. عقد حاجبيه وقال باستنكار مشوب بالذعر:
ماذا تقولين؟فردت بنفس الابتسامة الميتة، ونفس الهدوء المميت:
"طارق مات يا محمود".سألها للمرة الثالثة، مبهوتا، مشلولا، فخرجت الإجابة للمرة الثالثة، كحكم إعدام يتلى في ساحة إعدام فارغة.
لم ير بعدها شيئا بوضوح. تحول العالم حوله إلى دوامة من الألوان الباهتة. اندفع كالمجنون يتخبط في الأثاث نحو الطابق العلوي. طوى درجات السلم طيا، وفتح باب غرفة طارق بعنف كاد يخلعه من مكانه.
الغرفة كانت مرتبة، مرتبة أكثر مما ينبغي، كأنها لم تعد غرفة لشاب مفعم بالحياة، بل ضريحا صغيرا أقيم لشهيد. السرير ممهد بعناية فائقة، وسادته منبعج طرفها قليلا كما لو أن رأس ابنه غادرتها منذ لحظات وسيعود. على المكتب الخشبي، كتب دراسية مفتوحة عند صفحات محددة بعلامات ملونة، وقلم رصاص ملقى بإهمال، كأن صاحبه قام ليشرب كوب ماء وسيعود. الميداليات معلقة بانتظام إلى جوار صورة له بالمايوه الأزرق عند حافة حمام السباحة، مبتسما تلك الابتسامة الساحرة التي ورث فيها شكل فم أبيه.
اقترب محمود من المكتب بخطوات رجل يسير إلى مقصلته. وهناك، التقطت عيناه الزائغتان شيئا.
جريدة قديمة مطوية تظهر صفحة الحوادث، وتحتها ملف طبي يحمل شعار مستشفى كبير.
"حادث تصادم مروع، سيارة نقل بضائع طائشة صدمت سيارة شاب، نقل إلى المستشفى يعاني من نزيف داخلي حاد، الشاب يحتاج فورا وعاجلا إلى نقل دم".
ثم توقفت عيناه عند الكلمة التي صعقته، الكلمة التي أعادته لزمن بعيد، لاختلافه البيولوجي الذي نسيه:
"التحاليل أظهرت أن فصيلته من أندر الفصائل في العالم: فصيلة بومباي".
شهق محمود شهقة مزقت حنجرته. التقط الورقة التالية بأصابع ترتعش بعنف، ليرى فيها تفصيلا أشد قسوة من الموت ذاته، تفصيلا سحقه سحقا:
(الأب هو الوحيد المسجل في قواعد بيانات التبرع النادر محليا ودوليا. كان هو الشخص الأقرب والأقدر بيولوجيا على إنقاذ حياة طارق، لو حضر في الوقت المناسب ونقل دمه إليه).
انحنى محمود كأن فأسا هوت على عموده الفقري فكسرته نصفين. سقطت الأوراق من يده. صدر منه صوت لا يشبه البكاء، ولا يشبه الصراخ.. كأن حشرجة حيوان جريح، ذبيح، سقط في فخ مظلم واكتشف بعد فوات الأوان أن الفخ كان يحمل اسمه منذ البداية، وأن دمه النادر كان المفتاح الوحيد لإنقاذ حياة أبنه.
هبط درجات السلم متعثرا، يزحف كشيخ هرم، كل درجة كان يهبطها تسلبه من عمره سنوات. وصل إلى الطابق السفلي وهو لا يرى من الدموع الغزيرة التي تعمي عينيه سوى خيالها. كانت ما تزال واقفة حيث تركها، شامخة، هادئة، ومبتسمة.
صرخ فيها بصوت مبحوح، ممزق، يخرج من قاع الجحيم:
"لماذا؟ لماذا تبتسمين؟! لماذا فعلت هذا بي وبنفسك؟! لماذا لم تتصلي بي؟!"نظرت إليه طويلًا، بعينين فرغتا من أي شعور بشري، ثم قالت بصوت خفيض، صوت خرج من قلب احترق بالكامل حتى صار رمادًا فلم يعد يخاف نارًا أبدًا:
"الآن استرحت، استرحت أخيراً يا محمود. يكفيني ما أراه الآن في وجهك. يكفيني أنك ذقت أخيرا من الكأس نفسها التي أسقيتني منها."ثم اقتربت منه خطوة واحدة، وصوبت عينيها كخنجرين في عينيه المذعورتين وقالت:
"أتذكر حين كنت تقول إنك تفعل هذا كله من أجلنا؟ أتذكر حين كنت في كل مرة تؤجلنا، وكل مرة تؤجل نفسك معنا، وكل مرة تتوهم بصلف أن المال يعوض كل شيء؟ كل شيء في حياتك كان يقبل التأجيل إلا العمل، إلا المنصب، إلا الحساب البنكي، إلا الناس الذين يصفقون لك ويرونك رجلا ناجحا! انتظرتك يا محمود، انتظرتك ليلا بعد ليل، وعاما بعد عام. انتظرتك وأنا أرتجف رعبا من صوت المفتاح لو سقط، ومن جرس الباب لو رن ليلا، ومن السقف خشية أن يقع علي وأنا وحيدة لا سند لي. انتظرتك وأنا أربي ابنك وحدي، أحميه من قسوة الدنيا بيدي وأسناني، وأنت كنت في كل مرة تسكتنا بأن ترسل لنا سيارة جديدة، أو ساعة ذهبية، وتظن بغباء أنك بذلك صرت أبا!"كان جاثيا على ركبتيه، يهز رأسه في هستيريا وجنون، يضرب صدره بقبضتيه ويردد نحيبا يمزق الصخر:
"كنت سأحضر! والله العظيم كنت سأطير إليكم في ثانية! لو أنك فقط قلت، لو أنك فقط كلمتني وأخبرتني أنه ينزف.. كنت سأفديه بدمي وعمري!"فضحكت، ضحكة صغيرة، جافة، خالية تماما من الفرح، وقالت بحسم قاطع:
"لقد مات في نصف ساعة، ولا تلعب دور البطل يا محمود، أنا أردتك أن تعيش ما بقي لك من عمر، لتعرف فقط من الذي قتله."انحنت نحوه قليلا، وقالت وفحيح كلماتها يلسع وجهه:
"لم يقتله الحادث يا محمود، الذي قتله هو أنت. غيابك هو من أنهى حياته".سكتت لحظة، ولانت ملامحها للمرة الأولى والأخيرة، انكسرت عيناها بدمعة واحدة يتيمة كابرت ورفضت أن تسقط، ثم تماسكت وعادت لصرامتها وقالت:
"أموال الدنيا كلها، وقصور الدنيا كلها، وجامعات أمريكا كلها، ما كانت لتعيد لي حضن ابني وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة باحثا عنك. وأنا منذ يومها، منذ أن دفنت قطعة من قلبي في التراب وحدي، لم يعد عندي في هذه الدنيا شيء أخسره، أو أبكي عليه."في تلك اللحظة، نزلت الخادمة من أعلى السلم، تحمل حقيبة سفر سميحة. كانت حقيبة متوسطة الحجم، مرتبة، جاهزة ومغلقة منذ وقت طويل، كأن صاحبتها كانت تعيش آخر دقائقها في هذا البيت الكئيب لا أولها. مضت الخادمة في صمت إلى الخارج لتضع الحقيبة في سيارة الأجرة التي تنتظر أمام البوابة.
رفع محمود عينيه من وسط بركة دموعه وانهياره، نظر إلى الحقيبة، ثم إلى وجه سميحة المولي شطره نحو الباب، وسأل بصوت طفل يتيم ضائع في غابة يكسوها الظلام:
"إلى أين يا سميحة؟ لمن تتركينني؟"فالتفتت إليه نصف التفاتة، وابتسمت له بلطف، ذلك النوع الموجع والمريع من اللطف، اللطف البارد الذي يخبرك بيقين أنك لم تعد مهمًا، وأن وجودك والعدم سواء.
لم تجب بشيء، أدارت ظهرها، وخرجت إلى الليل لتغلق الباب خلفها للأبد، تاركة محمود وحيداً في قصره الشاسع.
يملك كل شيء، ولا يملك أي شيء على الإطلاق.