عيد الأم

مقال من دفاتر الذكريات العائلية | بقلم هنري ماكسويل

وأنا أقترب من عيد ميلادي الخامس والستين، كنت أملك صندوقًا لم أفتحه منذ فترة طويلة. حتى عندما هاجرت، لم آخذه معي، وقررت أن أتركه في منزلي. وأنا هنا الآن، وبعد أن مرّ عليّ أول أيام العيد الذي لم أحضره في مصر منذ فترة طويلة جدًّا، وفي عيد الأم، دفعني الحنين بقوة لفتحه مرةً أخرى.

جلست على الأرض، وأزحت الغبار عن غطائه، وفتحته بید مرتجفة. انبعثت منه فورًا رائحة الزمن. قلبت محتوياته؛ ألعابي القديمة، وكرتي البلاستيكية التي احتفظت بها أمي داخل الصندوق بحرص عجيب كأنها قطعة آثار نفيسة، وشهاداتي المدرسية حتى المرحلة الإعدادية؛ تلك المرحلة التي كانت آخر عهدي بالوطن، قبل الهجرة مع أهلي.

أمضيت هناك ما أمضيت من عمري، لكنني كنت أحرص دائمًا على الرجوع، لرؤية أصدقائي؛ واستنشاق هواء طفولتي.

وفي قاع هذا الصندوق، امتدت يدي لتسحب ألبوم الصور. فتحت الألبوم، نظرت إلى وجه أمي الذي لم يبرح مخيلتي أبدًا. تأملت ملامحها الرقيقة، لكنني فجأةً.. ابتسمت. ابتسمت من قلبي وأنا أتذكر عادات "الأم المصرية" في أبسط تصرفاتها وانفعالاتها!

تُرى.. كم منكم يبتسم الآن وهو يتذكر تلك العادات؟

أولها متلازمة النيش! تلك الخزانة الزجاجية التي تحتل صدر المنزل، وتضم أكوابًا كريستاليةً وأطباقًا صينيةً محرمةً على أهل البيت، تُحفظ بعناية فائقة لضيوف خياليين قد يأتُون في بُعد زمني آخر، بينما نشرب نحن الشاي في أكواب الجبن الزجاجية الفارغة بعد غسلها! ومثل كل أم مصرية أصيلة، ورثت العادة الأسطورية في الاحتفاظ بـ كيس عملاق يضم بداخله مئات الأكياس البلاستيكية الصغيرة، كنزًا استراتيجيًّا لا غنى عنه.

وهل تذكرون نظرة الوعيد؟ تلك النظرة الصامتة الحارقة التي كانت ترمقنا بها أمهاتنا أمام الضيوف إذا تجرأنا ومددنا أيدينا لقطعة حلوى قيل أن يفعل الضيوف؛ نظرة مفادها: حسابنا بعد رحيلهم! ، فنتصلب في أماكننا رعبًا.

وماذا عن قدرتهن الخارقة على إيجاد الأشياء الضائعة؟ تقلب غرفتك رأسًا على عقب بحثًا عن قميصك ولا تجده، فتدخل هي الغرفة، وتمد يدها في نفس المكان الذي بحثت فيه أنت مائة مرة، وتستخرجه في ثانية واحدة، وتطلق جملتها الخالدة:

"ولو قمت وجبته لك هعمل فيك إيه؟"

أما الطب المنزلي، فالأم المصرية لا تعترف بالشهادات الأكاديمية. علاج أي مرض في العالم، من الزكام وحتى الاكتئاب، يتلخص في: ليمون مغلي، وكوب من الينسون الدافئ، مع اتهام صريح بأن المشي حافيًّا على البلاط هو السبب الكوني لكل مآسي البشرية.

ناهيك عن لغة الحب التي لا تُترجم إلى كلمات، بل إلى كميات مرعبة من الطعام.

"هل أكلت؟"

هذا هو المعادل العاطفي لكلمة أحبك. وإذا حاولت الرفض، تمارس الابتزاز العاطفي بامتياز:

"عشان خاطري كُل دي.. أنت خاسس جدًّا!"

حتى لو كان وزنك يقارب المائة كيلوجرام. وإذا اشتد بيننا الجدال، كانت تلوّح بتهديدها الشهير:

"أنا هسيب لكم البيت وأطفش!"

أفيق من ذكرياتي وابتسامتي على دمعة سقطت من عيني لتستقر فوق الصورة.

يا رفاقي من أبناء الستينيات.. نحن الآن في خريف العمر، غزانا الشيب، وكبرنا بما يكفي لندرك أننا لم نكن نضيق ذرعًا بتلك التصرفات المفرطة في الحماية والقلق، بل كنا نستمد منها أماننا المطلق. نحن الجيل الذي عرف معنى أن يكون البيت دافئًا بأنفاس أم، وأن يكون العالم خارجه مجرد شيء صغير لا يهم.

الأجيال الجديدة ربما تملك كاميرات فائقة الدقة، وتسجل لأمهاتها مقاطع مصورة كل دقيقة، لكننا نملك في صناديقنا العتيقة ما هو أثمن. نملك ذكريات محفورة في الروح لا تمحوها الأيام. هؤلاء الأمهات اللواتي رحلن عن عالمنا لم يتركننا تمامًا؛ لقد سكنّ في نبرات أصواتنا، وفي ملامحنا، وفي الطريقة التي نقلق بها نحن اليوم على أبنائنا.

في عيد الأم، لست مطالبًا باصطناع الفرح، ولست مضطرًّا لادعاء تفاؤل لا أشعر به. لا بأس بالحزن النبيل، ولا بأس بالبكاء الصامت وفاءً لمن منحونا الحياة مرتين؛ مرةً بالولادة، ومرةً بهذا الحنان الأسطوري. سنعيش على الذكرى يا صديقي، ونتدثر بوجوههن المطبوعة على قصاصات الورق الباهتة، فهذا هو عزاؤنا الوحيد في عالم يزداد برودةً كل يوم.

طوبى لمن لا تزال أمه تملأ بيته بالضجيج والدفء فليقبل تراب قدميها.. وطوبى لقلب ستيني متعب يجد سلوته، وأمومته المفقودة، في قصاصة ورق!

هنري ماكسويل بعض الذكريات تُعاش.