أين أخفيت الورق يا سيد؟

مقال عن النوستالجيا، وداع الصحافة الورقية، وعصر الشاشات | بقلم هنري ماكسويل

عندما قررت أن أعود إلى مصر في إجازة قصيرة، لم تكن الغاية هي زيارة المعالم السياحية أو التقاط صور بجوار الأهرامات، بل كانت الغاية هي مقابلة الذكريات، وأصدقاء الصبا الذين تساقطت شعورهم وبرزت كروشهم.

اتصلت بهم، وكعادتنا نحن المصريين في اصطناع المعجزات حين يتعلق الأمر بالـ "لّمة"، تمكنا من اختيار أنسب ميعاد لنزولي بحيث يكون الجميع متحررًا من التزاماته الأسرية. بل إن بعضهم، في نوبة وفاء نادرة، قرر أخذ إجازة من عمله ليرافقني في جولة بين مدن مصر السياحية، وهذا ما حدث بالفعل في رحلة غسلت روحي من صدأ الغربة.

بعد جولة مرهقة وجميلة، عدنا إلى القاهرة. وتحديدًا في حي "مصر الجديدة"، وبجوار منزل أحد أصدقائي، كان يقع كشك "عم سيد".

أنا أتذكر هذا الرجل جيدًا، كان شابًا يضج بالحيوية ومفتول العضلات في أوائل التسعينيات. طلبت من صديقي إيقاف السيارة أمام الكشك.

ولحسن حظي السعيد، وجدته هناك! نعم، لقد غزا الشيب شعره بالكامل، ورسم الزمن خرائطه القاسية على وجهه، لكنه كان ما يزال يحتفظ بتلك البنية القوية.

وقفت عنده، نتعانق ونتجاذب أطراف الحديث وننفض الغبار عن الذكريات بعد أن تفرس في وجهي وتذكرني. وفي لفتة مرحبة أصيلة من جيل يوشك على الانقراض، قدم لي زجاجة مياه غازية (مُشبرة)، تمامًا كما كنت أفعل في الماضي.

وإذ بي وأنا أهم برفع الزجاجة إلى فمي لأشرب، استوقفني شيء ما.. شيء مريب جعل الزجاجة تتجمد في يدي.
رأيت شيئًا لم أتوقعه إطلاقًا!

سألته في دهشة وحيرة:

"أين أخفيت الورق يا سيد؟"

لم يفهم سؤالي المباغت وعقد حاجبيه، فمددت إصبعي وأشرت إلى حامل الجرائد الحديدي العريض الممتد خارج الكشك. الحامل كان ما زال موجودًا، صامدًا في مكانه، ولكنه يا سادة أصبح يحمل، وبكل وقاحة، جميع أنواع شرائح البطاطس المقلية، وأكياس المقرمشات التي تسد الشرايين!

ابتسم "سيد" ابتسامة مائلة، وقال بحكمة الفلاسفة:

"يا أستاذ "هنري".. تعيش وتفتكر!"

هنا، تبلد ذهني تمامًا. شعرت بجلطة ثقافية توشك أن تضرب دماغي. ظننت للحظة أن موّرد الجرائد القومي قد توفي في حادث أليم، وأن عم سيد يعزيني فيه! لكنه أردف قائلًا بمرارة:

"محدش بيقرا يا بيه، ولا حد عاوز يقرا. من ساعة ما التليفون الملعون ده والسوشيال ميديا ما طلعوا لنا في البخت، و80% من الناس بقوا محررين، ومذيعين، ومحللين سياسيين!"

فزعت لثوانٍ. أحسست أن الأرض تميد بي. سألته في ذعر كاتب يتهاوى عالمه:

أين إذن الصحفيون؟ أين الأدباء الكبار الذين تتلمذنا على أيديهم؟ وأين المجلات؟ هل.. هل ما زالت هناك قصور ثقافة؟

وما إن سألت هذا السؤال الأخير بالتحديد، حتى اتسعت عينا "سيد"، وانتابته موجة ضحك هستيرية متواصلة.. ضحك حتى دمعت عيناه وسعل بشدة، وكأنني ألقيت عليه النكتة الأكثر عبثية في القرن الحادي والعشرين!

تركته واقفًا يضحك، وعدت إلى سيارة صديقي كمن تلقى طعنة في ظهره. طلبت منه بصوت حازم أن يأخذني فورًا لأشهر المكتبات الكبرى في العاصمة. أردت أن أطمئن أن العالم لم ينتهِ تمامًا.

وصلنا، فوجدت المكتبات ما زالت متواجدة، أنيقة، مكيفة، تفوح منها رائحة القهوة والورق. الرفوف تئن تحت وطأة الكثير من الكتب، لكن المشكلة الكارثية كانت في وجود القليل جدًا من الناس! يمشون بين الأرفف كالأشباح. علاوة على ذلك، اكتشفت جريمة لا تغتفر؛ لقد رفعت معظم هذه المكتبات تلك الطاولة الخشبية الدافئة التي كنا نجلس عليها قديمًا لقراءة أي كتاب وتصفحه بشغف قبل شرائه، وكأن الرأسمالية الحديثة تهمس في أذنك ببرود:

"ادفع ثمن الكتاب أولًا أو انصرف في هدوء."

أنا أعلم يقينًا أن أسعار الورق قد ارتفعت بجنون، ككل شيء في كوكبنا، حتى أصبحت بعض دور النشر تطلب من الكاتب "كنوع من التقشف"، ألا تتخطى روايته أو كتابه عدد كلمات معين، يوازي 260 إلى 300 صفحة كحد أقصى! ومعهم بعض الحق نظرًا للظروف الاقتصادية الطاحنة. لكنهم نسوا حقيقة مرعبة: الأفكار لا تتقيد بعدد الكلمات يا سادة! الإبداع لا يتبع حمية غذائية لتناسب مقاس الغلاف وتكلفة الأحبار!

إن للقراءة متعة خاصة، وخصوصًا قراءة الروايات. حين تجلس أمام شاشة التلفاز لتشاهد فيلمًا، فأنت مجرد متلقٍ كسول يتم إطعامه بالملعقة. أما عندما تقرأ رواية، فأنت تصبح "المخرج"، و"المنتج" أيضًا!

المنتج السينمائي يستطيع الاتفاق مع أغلى نجم ونجمة لتجسيد الأدوار لو كان يملك السعر والميزانية المفتوحة، لكنك أنت، عندما تقرأ بخيالك، تستطيع وضع بطلك أو بطلتك المفضلة مكان شخصية الرواية الرئيسية، وبالمجان! أنت من تتخيل الموقع وتصمم الديكور، حتى لو وصفه الكاتب لك.

دعنا نلعب لعبة صغيرة. تخيل معي عزيزي القارئ هذه الجملة.. أغمض عينيك بعد أن تقرأها وتخيلها:

"عاد الرجل مع زوجته من حفل الزفاف، فخلعت زوجته حذاءها الجديد ذا الكعب العالي الذي أدمى قدميها، وألقت بنفسها على الأريكة."

أنا هنا لم أصف المكان كثيرًا، ولم أصف حتى ملامح الشخصيات. لكن، بربك، كم منكم تخيل الرجل وزوجته الآن في عقله؟ هل هم في الخمسينيات من عمرهم أم في الثلاثينيات؟ هل الزوجة طويلة ممشوقة أم قصيرة؟ هل الأريكة مخملية حمراء أم جلدية سوداء؟ هل مدخل الباب يقع على اليمين أم على اليسار؟

هل ترى الآن ما أقصد؟ لقد أطلقت خيالك لعنان السماء من دون حدود. ربما تخيلت أنت "توم كروز" هو الرجل، وتخيل قارئ آخر ممثلًا مختلفًا. إذن، كل واحد منا أصبح هو المخرج والمنتج، يصنع نسخته الخاصة من القصة داخل قوقعته الدماغية. وتلك، وايم الحق، هي متعة القراءة الساحرة التي لا يعادلها شيء في الوجود.

لكننا، للأسف، تركنا هذا المجد كله لنحدق في شاشات بلهاء. أين ذهبت المجلات العريقة التي كانت تزين أكشاكنا؟ من منا لا يتذكر غلاف "آخر ساعة" الأنيق؟ أو التحقيقات المصورة في "المصور"؟ أو نميمة الفن اللذيذة والبريئة في "الكواكب"؟ وطبعًا العظيمة "روز اليوسف" التي كانت قادرة على إشعال المعارك الفكرية وإسقاط وزراء بمانشيت واحد؟

لقد كان للصحيفة المطبوعة جلال خاص، علاوة علي أنها كانت أصابعنا تتلوث قليلًا بالحبر الأسود، وكانت تلك البقعة الباهتة على السبابة هي وسام الثقافة اليومي.

وفوق هذا كله، كانت تلك الصحيفة بمنزلة حائط صد منيع يقلل كثيرًا من فوضى الشائعات؛ ففي ذلك الزمان، كانت مصادر الأخبار معروفة وموثقة، إما من كتاب كبار لهم وزنهم، أو صحفيين مهنيين يدركون قيمة الكلمة، ويخشون على أسمائهم وتاريخهم من السقوط في وحل الكذب.

أما اليوم، فحين تمسك الموبايل اللعين، تجد نفسك أعزل تمامًا تحت سماء التواصل الاجتماعي التي تحتلها الشائعات بكافة أنواعها كأسراب جراد مدمرة. مستنقع رقمي لا توثيق فيه، ولا مصداقية، ولا محاسبة، إلا ما رحم ربي. صار كل من يمتلك هاتفًا محررًا صحفيًا ينشر ما يشاء، ليتحول الهراء إلى حقيقة في بضع ثوانٍ.

الجريدة لها شكلًا وكيانًا، لها صفحات تتأملها، وايضًا قد تطويها تحت إبطك، فكيف تصبح الجريدة جريدة؛ وهي مجرد إشعاع ضوئي بارد يسبح في شاشة الهاتف؟

في طريق العودة، جلست في السيارة أنظر إلى وجوه المارة المنكفئة على شاشاتها المضيئة كأنهم منومون مغناطيسيًا، تذكرت ضحكة عم سيد الهستيرية، وحامل الجرائد الذي احتلته أكياس البطاطس لتقضي على عرش الكلمة المطبوعة، فابتسمت في مرارة، وهمست لنفسي بأسى:

"أين أخفيت الورق يا سيد؟" هنري ماكسويل