← عودة للرئيسية

قبل البداية

هانوفر، ألمانيا ١٩٩٣

وصلت الدعوة عبر ساعٍ خاص، دعوة على الغداء مع أحد أهم رجال الأعمال، صديق والدي الراحل السيد "إفرايم روزنفيلد."

عندما وصلت وجدته جالسًا في حديقة منزله متحدّيًا قسوة طقس يناير، رغم أنه كان قد تخطّى عامه الثالث والثمانين.

بعد أن فرغنا، جلسنا حول المدفأة برفقة زوجته وابنتيه، والأحاديث بيننا تتشعّب وتتفرّع في دفءٍ وحميمية. في تلك اللحظة، شعرتُ بشيءٍ ما بداخلي يدفعني لطرح سؤالٍ طالما راودني، سؤالٍ عن قصّة رواها لي أبي عنه، كنتُ أنوي كتابتها، لكنني لم أكن واثقًا من صحتها. ابتسم الرجل ابتسامة هادئة، وأجاب بثقة:
- إنها حقيقية.

ضربت كلماته عقلي بقوة، وتركتني أتساءل عن تفاصيلها، طلبت منه أن يرويها لي مرة أخرى، لكنه أشار إليّ بلطفٍ أن أتوجه معه إلى مكتبه. هناك، جلس أمامي صامتًا، يرمقني بنظرة عميقة، وقد تبدّلت ملامح وجهه، كأنه لم يعد الرجل نفسه، بل تحوّل إلى شخص آخر، شخصٍ أكثر غموضًا.

بادرني بالسؤال، بصوت منخفض:
- قبل أن أبدأ، أريدك أن تخبرني أولًا، من أنت؟ ومع من سأتحدث؟ إلى صديق مقرب، أم إلى غريب على متن حافلة؟

لم أفهم مغزى سؤاله! فنظر في عيني وكأنه يبحث عن إجابة، ثم أضاف:
- هل تعرف من ستخاطب؟ هل هم العامة، أم النخبة؟ هل تستطيع الغوص في أعماق الشخصيات؟ هل ستتفهم خبايا نفوسهم؟ هل يمكنك أن تضع نفسك بينهم؟

تلعثمت، شعرت وكأنني أواجه امتحانًا لم أستعد له. حاولت التماسك، لكن الكلمات خانتني، فقلت:
- وإذا لم أستطع الإجابة!

رأيت شبح ابتسامة يتسلل إلى شفتيه، وقال بهدوء:
- إذًا دعنا نبدأ، وسنرى من أنت في النهاية.

استرخى على كرسيه، ووضع يديه فوق بعضيهما، ثم تنهد قائلًا:
- تذهلني الخيانة. إنها كلمة ثقيلة، أليس كذلك؟ لكنها جزء من حياتي. لقد تعرضت لها. ولكني أيضًا خنت. نعم، خنت. لقد كلفت بمهمة هي في جوهرها ضربًا من المستحيل، غير أن الأمر كان قاطعًا: "العثور على نبوءة نوستراداموس المفقودة."

"نبوءةٌ، كما أُخبرت، تفضي إلى قوةٍ كفيلة بجعل أي أمةٍ قوةً لا تُقهر. كنت أظن أن مآلها الفشل المحتوم، فكيف للمرء أن يجد ما فُقد للأبد؟ لكن ما حدث كان شيئًا... مختلفًا كليًا."

اتكأ إلى الوراء، ونظراته معلّقة بزاوية مكتبه. هناك، استقر صندوق سيجار قديم مزخرف، وبجانبه، كتاب ضخم بغلاف جلدي، تآكل كعبه على مر السنين. حدّق فيه للحظة ثم عاد ليكمل:
- في حياتي كلها، كنت أعيش على الادعاء، التظاهر، التأثير في الناس، كان عملي أن أكون صورة مزيفة. لم أذكر الحقيقة قَط، ولكن الآن، أشعر أن الوقت قد حان لأتكلم.

توقف للحظة، وكأنه ينتظر أن تعود ذاكرته لتكمل ما بدأه. شعرت وقتها أن الغرفة بأكملها قد تبدلت، تحولت إلى مسرح اعتلاه ليلقي من فوقه اعترافاته، وعندما بدأ في السرد، لم يتوقف إلا بعد مرور ساعتين كاملتين، لأتيقن أنني أمام قصة مثيرة جدًا.

كنت أتابع كل كلمة يقولها، والكلمات تتدفق من شفتيه ببطء وهدوء، كان يرويها ونظراته تائهة في الفراغ، وكأنما يسترجع شيئًا ضائعًا، لم يعد الزمن يسير بالوتيرة نفسها، بل توقف ثم أغمض عينيه وكأنه يحاول أن يكبح دمعة كادت تنفلت من بين جفنيه، وقال بصوت مرتعش:
- عليك أن تعلم أن هذه القصة تقضّ مضجعي، ومصدر ألم وأرق لا يفارقني. لم أدرك الحقيقة، إلا بعد فوات الأوان، لم أكن أراها، لقد جَعَلَت مني لليوم إنسانًا بلا روح.

تسرب الصمت بيننا، وعيناه المغرورقتان تبوحان بما لم يستطع لسانه قوله، ولكنه نظر إليّ قائلًا:
- تستطيع أن تذكر حقيقة الأسماء، إلا اسمًا واحدًا فقط.
همس لي به في أذني، ثم استدار ببطء، وعاد إلى مقعده في الحديقة، متجاهلًا كل شيء حوله، إلا ذلك العالم الذي يتوارى خلف عينيه.

في تلك اللحظة، أدركت أن ما سمعته كان إرثًا مؤلمًا يثقل روحه، فتركته على وعد أن أعود إن شاء لي القدر بعد كتابة كلمة النهاية.

دعوني لا أطيل عليكم، وأدعوكم إلى مسرح الأحداث. أنا لا أعلم من أين سأبدأ. ولكني أعلم أن البداية ستكون بعيدة... بعيدة جدًا.

❊❊❊
باريس، سجن "لا سانتيه" - ديسمبر ١٩٤٩

حدّقت إلى أظافرها ويديها المتعبتين وهي جالسة على سريرها الحديدي، وقضبان الزنزانة تلقي بظلالها المتقطعة على وجهها، كانت الساعة تقترب من السابعة مساء، ولا يُسمع سوى صدى الرياح تتخلل فتحات النافذة العالية.

وقفت وبدأت تسير جيئة وذهابًا، وكأنها تسير بين أفكارها المتشابكة، شعرت بحرارة دمائها تتدفق في شرايينها، تحاول إيقاظ روحها مجددًا، ولكنها كانت في سلام مع نفسها، تصالح غريب مع قسوة الحكم الذي صدر بحقها.

سمعت صوت خطوات ثقيلة تقترب، فأسرعت نحو القضبان الحديدية، ضغطت خدّها عليها، وتسللت بنظرة عابرة إلى نهاية الممر، ولكنها لم تر أحدًا، مجرد صمت طويل.

مرت أمام عينيها صور المحاكمة. صوت المدعي العام، أصوات القضاة، أعين الحضور التي لم تعرف الرحمة، كأنهم قد حكموا عليها قبل أن تنطق بأي كلمة. ومع ذلك، شعرت بشيء من السكينة، وكأن كل ما حدث كان مقدرًا، وبرغم الظروف المحيطة استطاعت أن تخلد للنوم.

عند السادسة صباحًا، فُتح باب الزنزانة، ودخل محاميها السيد إتيان، والحاخام، يتقدمهما ضابط برتبة نقيب. جلست المرأة على سريرها هادئة، نظراتها لم تحمل أي خوف، بل على العكس، كانت عيناها تحملان قدرًا كبيرًا من الراحة.

أخرجت من تحت وسادتها رسالة كتبتها على مدار ثلاث ليالٍ، فمدت يدها بها إلى المحامي، ثم انتعلت حذاؤها، وارتدت عباءة سوداء فوق ملابس السجن الرمادية، لتخفي بها الشارة الحمراء التي كانت تلف ذراعها اليمنى، ثم نظرت إليهم وسألت:
- هل حضر؟

أجاب المحامي بنبرة هادئة:
- نعم.

استرخت قسمات وجهها قليلًا، وقالت بثقة:
- إذًا، أنا جاهزة.

مشت معهم في ممر طويل وسط الزنازين، وأصوات السجينات تعلو بالاستهجان، لكنها لم تُلقِ لها بالًا. كانت خطواتها ثابتة، وكأنها قد سارت في هذا الطريق مرارًا في أحلامها.

وصلت إلى ساحة إعدام اصطفت بها فرقة رماية، ثلاثة عشر جنديًا، وضابط يقف بشموخ، نظرت حولها، وكأنها تبحث عن شيء ما، وسألت:
- أين هو؟

لم تمض سوى لحظات؛ حتى دخل إلى الساحة رجل في بداية العقد الرابع من عمره، ملامحه متعبة، وذقنه نامية، اقترب منها، فالتقت أعينهما، كانت يده ترتجف وهو يحاول كبح دموعه، لكنه لم يستطع. تقدم ليعانقها، فحاول الحارس منعه، لكن الضابط أشار إليه بالسماح.

احتضنها بقوة، فهي آخر فرصة له ليشعر بدفء روحها، وعلى النقيض كانت هي أكثر هدوءًا، عانقته وكأنها تطمئنه، ثم همست في أذنه ببضع كلمات، فابتسم.

أشار الضابط للحارس بإبعاد الرجل، ثم تقدم ليعصب عينيها لكنها رفعت يدها بالرفض، فأعاد العصابة إلى مكانها وتراجع إلى جانب رجاله، ثم رفع يده صائحًا:
- استعد!

وقف الجنود في وضعية الاستعداد، بنادقهم موجهة نحوها. لم تكن تنظر إليهم، بل كانت عيناها موجهتين نحو السماء، كأنها تنتظر شيئًا أكبر من الموت نفسه.
- سدد!

نظرت المرأة إلى الرجل للمرة الأخيرة، وابتسمت.
هنا هوى الضابط بيده إلى أسفل وهو يصيح:
- اضرب!

وانطلقت الرصاصات، اخترقت الهواء، واخترقت الجسد. اهتزت المرأة ثم ارتطمت بالحائط من خلفها. شلال من الدماء انفجر من صدرها، وانزلقت بهدوء إلى الأرض.

أجهش الرجل بالبكاء كطفل صغير وهو يراها تنتفض، وروحها تنسل من جسدها كوشاح حريري.

تقدم الطبيب، فأمسك برسغها وتفحص عينيها، ثم أومأ إلى الضابط، فالتفت للحضور قائلًا:
- لقد ماتت.

❊❊❊

هنا تنتهي البداية.. وتبدأ الحقيقة

من كانت هذه المرأة؟ وما هو السر الذي ماتت لأجله؟
القصة الكاملة تنتظرك في صفحات "النبوءة المفقودة".

أكمل القراءة على أبجد