كثيرًا ما يُطرح عليّ السؤال: "من أين تأتي بهذه الأفكار؟". والحقيقة أن الواقع أغرب وأكثر تعقيدًا من أي خيالٍ روائي. رواية "النبوءة المفقودة" لم تبدأ كفكرةٍ مجردة على مكتبي، بل بدأت كتحقيقٍ ميدانيّ محفوف بالمخاطر في خريف عام ١٩٩٢.
كنت حينها أقيم في مدينة هانوفر الألمانية، حين تلقيت اتصالًا من "كلاوس". لم تكن علاقتي بـ "كلاوس" علاقة عملٍ عادية، بل كان رجلًا أثق بتقديره للأمور. كان صوته يحمل مزيجًا من الحزن والإصرار حين قال: "هنري، الأمر يتعلق بصديقي "يوهان".. أعتقد أن الوقت قد حان."
قصة يوهان وكلاوس تعود إلى زمنٍ بعيد. فقد كان والد كلاوس ويوهان صديقين يقيمان في المدينة ذاتها قبل الحرب، وخدمًا سويًا في صفوف الجيش، وإن فرقتهما الجبهات والمواقع. دارت الأيام، وتبدلت الأحوال، ورحل جيلٌ كامل، لكن كلاوس الابن ظل وفيًا لذكرى والده، فداوم على زيارة صديقه القديم، الذي كان يعتبره بمثابة أبٍ ثانٍ له.
مع تقدم السنين، شاخ يوهان ونهش المرض جسده، وشعر بدنو أجله. وفي لحظة صفاءٍ تسبق النهاية، استدعى كلاوس ليبوح له بحملٍ ثقيلٍ كتمه في صدره خمسين عامًا. ما إن سمع كلاوس تفاصيل السر، حتى أدرك أن الأمر يفوق قدراته الفردية، فقرر الاتصال بي فورًا، لعلمه التام بمدى شغفي بتلك الحقائق التاريخية، ويقينه بأنني الشخص الوحيد القادر على توفير الموارد اللازمة واستغلال علاقاتي للمساعدة في كشف هذا اللغز.
لم نتردد لحظة. انطلقنا نحن الثلاثة بسيارتي من هانوفر. كانت الرحلة سباقًا مع الزمن ومع ذاكرة يوهان المتداعية.
عند وصولنا إلى المدينة المستهدفة، كانت الصدمة بانتظارنا. التوسع العمراني لم يرحم التاريخ. وقف يوهان أمام برجٍ سكنيّ شاهق، وقال بصوتٍ متهدج: "الصندوق الأول.. كان هنا". لقد أصبح الآن تحت أطنانٍ من الخرسانة والحديد. انتقلنا إلى الموقع الثاني، لنجد ناطحة سحابٍ تجارية قد ابتلعت الأرض وما تحتها.
بقي الأمل معلقًا بخيطٍ رفيع. توجهنا إلى الإحداثيات الثالثة والأخيرة. هنا، ولحسن الحظ، توقف الزمن قليلًا. الموقع الثالث لم يتحول إلى مبنى، بل كان يقع في مساحةٍ خضراء منسقة تطل مباشرةً على واجهة مبنى حكومي حديث.
المشكلة لم تكن في المبنى فقط، بل في أن هذا الموقع الأخير يبعد حوالي خمسمائة مترٍ تقريبًا عن مركزٍ للشرطة المحلية. مسافةٌ قد تبدو بعيدةً للبعض، لكنها ليست بعيدةً بما يكفي لتسمح لنا بالحفر واستخراج صندوقٍ من عمق مترين دون أن نثير الشبهات.
وقفنا هناك عاجزين؛ خوفًا من ضياع الفرصة الأخيرة. بدا الوضع مستحيلًا، وكنا على وشك الانسحاب، حين استرعت انتباهي لافتة معدنية صغيرة مثبتة عند طرف المساحة الخضراء. اقتربت منها لأقرأ: "منطقة مخصصة للتخييم الموسمي".
في تلك اللحظة، لمعت الفكرة في ذهني. التفتُ إليهم وقلت بحزم: "لن نحفر اليوم. سنعود في عطلة نهاية الأسبوع." كانت الخطة تقتضي تحويل عملية استخراجٍ غير قانونيةٍ إلى نزهةٍ عائليةٍ بريئة.
عدتُ إلى هانوفر، أحضرتُ عربتي الـ"فان" المجهزة، وقمت باستئجار عربةٍ أخرى لكلاوس. ولإكمال مشهد "العائلتين"، طلبت من سكرتيرتي الشخصية وإحدى صديقاتها مرافقتنا، بعد أن أخبرتهما بجزءٍ بسيطٍ من القصة لضمان تعاونهما.
انطلقنا فجر الجمعة، ووصلنا إلى منطقة التخييم قبل الجميع. كان هذا التوقيت حاسمًا؛ إذ سمح لنا باختيار الموقع بدقة. أوقفنا العربتين بشكلٍ متقابلٍ ليشكلا ساتراً، ثم نصبنا خيمتين كبيرتين. حرصتُ بنفسي على أن تكون إحدى الخيمتين منصوبةً مباشرةً فوق نقطة الحفر التي حددها يوهان، لتصبح الخيمة هي الغطاء الذي سنعمل تحته بعيدًا عن الأعين.
مر النهار ببطءٍ شديد. ومع غروب الشمس، بدأت السيارات الأخرى تتوافد، واكتظ المكان بصخب العائلات ورائحة الشواء. كانت هذه هي اللحظة المناسبة. رفعنا صوت الموسيقى في مخيمنا ليطغى على أي صوتٍ قد يصدر عن معاولنا، وبدأ العمل.
داخل الخيمة المغلقة، كان الهواء خانقًا وثقيلاً. تناوبتُ أنا وكلاوس على الحفر. كانت الأرض صلبةً ومشبعةً بجذور النباتات القديمة. مرت ساعة، ثم الثانية، والعرق يتصبب منا، حتى ارتطم معولي بشيءٍ صلب. صوتٌ معدني مكتوم.
أزحنا التراب بأيدينا، وظهر الصندوق. كان صندوقًا معدنيًا مستطيل الشكل، يبلغ طوله حوالي المتر، لونه رمادي داكنٌ وقد تآكلت زواياه بفعل الصدأ والرطوبة. بدا وكأنه تابوتٌ صغيرٌ. على غطائه العلوي، ورغم التآكل، كان نسر "الرايخ" لا يزال محفورًا بوضوح، يمسك بمخالبه صليبًا معقوفًا، ومختومًا بشمعٍ أحمر متصلبٍ لم يمسسه أحد منذ خمسين عامًا.
لم نجرؤ على فتحه هناك. بصعوبةٍ بالغة، رفعنا الصندوق الثقيل ولففناه في بطانية، ثم نقلناه بسرعةٍ إلى داخل عربتي الـ"فان". عدنا بعدها لنردم الحفرة، وفعلنا ما بوسعنا لتسويتها وتغطيتها ببعض المعدات. غادرنا المخيم فجرًا، قبل أن يستيقظ أحد.
في قبو منزلي، وبحضور يوهان الذي بدا وكأن الروح ردت إليه، كسرنا الأختام وفتحنا الصندوق. لم نجد ذهبًا، ولا مجوهرات. وجدنا ما هو أخطر. وجدنا مستندات.
المستندات التي كانت بالداخل لم تكن خططًا عسكريةً، بل كانت مخططًا مرعبًا لما أطلقت عليه الوثائق اسم "مشروع المستقبل" (أو هندسة الذاكرة). احتوى الصندوق على مئات الصفحات من اليوميات المزيفة لجنودٍ لم يولدوا قط، ورسائل ملفقةٍ دُست بعنايةٍ لتبرئة شخصياتٍ بعينها، بهدف خداع المؤرخين في المستقبل.
جلستُ بعدها وقد تحمستُ لكتابة الرواية، ولكن لم أكن أمسك بكل أطرافها. الوثائق كانت "باردة"، والزمن تغير وتبدل، ولم أستطع الاعتماد كليًا على ذاكرة يوهان لبناء الحبكة الإنسانية. في غمرة هذا التفكير، ومع مطلع عام ١٩٩٣، تذكرت إحدى الروايات التي كان أبي يقصها عليّ في صغري عن صديقٍ مقربٍ له لم أقابله منذ فترةٍ طويلة، رجلٌ يدعى "إفرايم روزنفيلد".
كانت القصة التي رواها أبي شيئًا لا يمكن تخيله من التخطيط والتضحية والوفاء، حتى أنني كنت أشك أنها حقيقية. ولكني استجمعت شجاعتي واتصلت بالسيد إفرايم، وأنا لا أعلم إن كان حيًا أم توفي.
ولحسن حظي، كان هو من أجاب. بدا سعيدًا جدًا لاتصالي، وقال إن صوتي يذكره بوالدي. طلبتُ لقاءه، فدعاني للحضور للغداء معه في اليوم التالي.
ذهبتُ إليه، ومن وحي تلك الوثائق التي استخرجناها من باطن الأرض، ومن قلب حديثي مع السيد إفرايم على مائدة الغداء، بدأتُ كتابة السطور الأولى لرواية "النبوءة المفقودة".