رقم الملف: #HM-94-LP الموضوع: أصل النبوءة المفقودة التصنيف: أرشيف خاص

القصة خلف الرواية

كيف تحول سر مدفون منذ عام ١٩٤٥ إلى "النبوءة المفقودة"؟
بقلم:
هنري ماكسويل

كثيرًا ما يُطرح عليّ السؤال: "من أين تأتي بأفكار روايتك؟". والحقيقة أن الواقع أغرب وأكثر تعقيدًا. رواية "النبوءة المفقودة" لم تبدأ كفكرة على مكتبي، بل بدأت كتحقيق ميداني في خريف عام ١٩٩٢.

كنت حينها أقيم في مدينة هانوفر الألمانية، حين تلقيت اتصالًا من صديقي "كلاوس". لم تكن علاقتي بـ"كلاوس" علاقة عملٍ عادية، بل كان رجلًا أثق به. كان صوته يحمل الكثير من الحزن والألم حين قال: "هنري، الأمر يتعلق بصديقي "يوهان" أعتقد أن وقته قد حان".

قصة يوهان وكلاوس تعود إلى زمن بعيد. فقد كان والد كلاوس ويوهان صديقين يقيمان في المدينة ذاتها قبل الحرب العالمية الثانية، وخدمًا سويًا في صفوف الجيش. دارت الأيام، ورحل جيل كامل، لكن كلاوس الابن ظل وفيًا لذكرى والده، فداوم على زيارة صديقه القديم، الذي كان يعتبره بمثابة أب ثان له.

مع تقدم السنين، شاخ يوهان ونهش المرض جسده، وشعر بدنو أجله. استدعى كلاوس ليبوح له بحمل ثقيل أخفاه في صدره خمسين عامًا. ما إن سمع كلاوس التفاصيل، حتى أدرك أن الأمر يفوق قدراته، فقرر الاتصال بي فورًا، لعلمه التام بمدى شغفي بتلك الحقائق التاريخية، ويقينه بأنني الشخص الوحيد القادر على توفير الموارد اللازمة واستغلال علاقاتي للمساعدة في كشف هذا اللغز.

السر الذي باح به يوهان كان مذهلًا: في ربيع عام ١٩٤٥، كلف بصفته جندي مراسلة خاص، بنقل ودفن ثلاثة صناديق معدنية بأمر مباشر من رئيسه. دُفنت الصناديق في مواقع متفرقة بمدينة وقعت لاحقًا ضمن نطاق ألمانيا الشرقية، ولا أحد يعلم ما بداخلها.

لم نتردد لحظة. انطلقنا نحن الثلاثة بسيارتي من هانوفر. كانت الرحلة سباقًا مع الزمن ومع ذاكرة يوهان المتداعية.

عند وصولنا، كانت الصدمة بانتظارنا. التوسع العمراني ابتلع التاريخ. وقف يوهان أمام برجٍ سكنيّ شاهق، وقال: "الصندوق الأول كان هنا". لقد أصبح الآن أسفل هذا البرج. انتقلنا إلى الموقع الثاني، لنجد نفس المشكلة اسفل ناطحة سحاب تجارية.

بقي الأمل معلقًا بخيطٍ رفيع. توجهنا إلى المكان الثالث والأخير. هنا، ولحسن الحظ، وجدنا الموقع لم يتحول إلى مبنى، بل كان يقع في ساحة خضراء تطل مباشرةً على واجهة مبنى حكومي.

المشكلة كانت أن هذا المبنى كان مركز للشرطة، وأن هذا الموقع يبعد عنه حوالي خمسمائة مترٍ تقريبًا. مسافة ليست بعيدة بما يكفي لتسمح لنا بالحفر واستخراج صندوق من عمق مترين دون أن نثير الشبهات.

وقفنا هناك عاجزين؛ خوفًا من ضياع الفرصة الأخيرة. بدا الوضع مستحيلًا، وكنا على وشك الانسحاب، حين استرعت انتباهي لافتة معدنية صغيرة مثبتة عند طرف المساحة الخضراء. اقتربت منها لأقرأ: "منطقة مخصصة للتخييم".

في تلك اللحظة، لمعت الفكرة في ذهني. التفتُ إليهم وقلت: "لن نحفر اليوم. سنعود في عطلة نهاية الأسبوع." كانت الخطة تقتضي تحويل عملية استخراج غير قانونية إلى نزهةٍ عائليةٍ بريئة.

* * *

عدت إلى هانوفر، أحضرت عربتي الـ"فان"، وقمت باستئجار عربةٍ أخرى لكلاوس. ولإكمال مشهد العائلتين، طلبت من سكرتيرتي الشخصية "في ذلك الوقت"، العزيزة "أنغريد" وإحدى صديقاتها مرافقتنا، بعد أن أخبرتهما بجزء بسيط من القصة لضمان تعاونهما.

انطلقنا فجر الجمعة، ووصلنا إلى منطقة التخييم قبل الجميع. كان هذا توقيت جيدًا؛ إذ سمح لنا باختيار الموقع بدقة. أوقفنا العربتين بشكل متقابل ليشكلا ساتراً، ثم نصبنا خيمتين كبيرتين، على أن تكون إحدهما منصوبة مباشرة فوق نقطة الحفر.

مر النهار ببطء شديد. ومع غروب الشمس، بدأت السيارات الأخرى تتوافد، واكتظ المكان بصخب العائلات ورائحة الشواء. كانت هذه هي اللحظة المناسبة. رفعنا صوت الموسيقى ليطغى على أي صوتٍ قد يصدر عن معاولنا، وبدأنا العمل.

داخل الخيمة، كان الهواء خانقًا وثقيلاً. تناوبت أنا وكلاوس على الحفر. كانت الأرض صلبة. مرت ساعة، ثم الثانية، والعرق يتصبب منا، حتى ارتطم معولي بشيءٍ صلب. صوتٌ معدني مكتوم.

أزحنا التراب بأيدينا، وظهر الصندوق. كان صندوقًا معدنيًا مستطيل الشكل، يبلغ طوله حوالي المتر، لونه رمادي داكن وقد تآكلت زواياه بفعل الصدأ. بدا وكأنه تابوت صغير. على غطائه العلوي، ورغم التآكل، كان نسر "الرايخ" لا يزال محفورًا بوضوح، يمسك بمخالبه صليبًا معقوفًا، ومختومًا بشمعٍ أحمر متصلب لم يمسسه أحد منذ خمسين عامًا.

لم نجرؤ على فتحه هناك. بصعوبةٍ بالغة، رفعنا الصندوق الثقيل ولففناه في بطانية، ثم نقلناه بسرعة إلى داخل عربتي. عدنا بعدها لنردم الحفرة، وفعلنا ما بوسعنا لتسويتها وتغطيتها ببعض المعدات. غادرنا المخيم فجرًا، قبل أن يستيقظ أحد.

في قبو منزلي، وبحضور يوهان الذي بدا وكأن الروح ردت إليه، كسرنا الأختام وفتحنا الصندوق، فوجدنا مستندات.

المستندات كانت مخططًا لما أطلقت عليه الوثائق اسم "مشروع المستقبل". احتوى الصندوق على مئات الصفحات من اليوميات المزيفة لجنود لم يولدوا قط، ورسائل ملفقة دست لتبرئة شخصيات بعينها، بهدف خداع المؤرخين.

جلست بعدها وقد تحمست لكتابة الرواية، ولكن لم أكن أمسك بكل أطرافها. الوثائق كانت باردة، والزمن تغير، ولم أستطع الاعتماد كليًا على ذاكرة يوهان لبناء الأحداث. في غمرة كل هذا، ومع مطلع عام ١٩٩٣، تذكرت إحدى الحكايات التي كان أبي يقصها علي عن صديق مقرب له لم أقابله منذ فترة طويلة، رجل يدعى "إفرايم روزنفيلد".

كانت القصة التي رواها أبي شيئًا لا يمكن تخيله من التخطيط والتضحية والوفاء، حتى أنني كنت أشك أنها حقيقية. ولكني استجمعت شجاعتي واتصلت بالسيد إفرايم، وأنا لا أعلم إن كان حيًا أم توفي.

ولحسن حظي، كان هو من أجاب. بدا سعيدًا جدًا لاتصالي، وقال إن صوتي يذكره بوالدي. طلبت لقاءه، فدعاني للحضور للغداء معه في اليوم التالي.

ذهبتُ إليه، ومن وحي تلك الوثائق، ومن حديثي مع السيد إفرايم، بدأتُ كتابة السطور الأولى لرواية "النبوءة المفقودة".