أهمس بهذه الكلمات لنفسي، مدركًا أنها ليست جملةً دراميةً أتدرب على إلقائها أمام المرآة، بل هي الحقيقة الوحيدة في حياتي الآن. أنا لا أكتب الأخبار، بل أصنعها. أنا لست صحفيًّا يلهث خلف سيارات الإسعاف ليلتقط صور الجثث، بل أنا الذي أرسل تلك الجثث إلى المشرحة.
ابتسمتُ لنفسي وأنا أعدل من وضع رابطة عنقي أمام مرآة سيارتي الألمانية الحديثة. تأملت صورة وجهي في المرآة، فلم أعد أرى ذلك الوجه الشاحب، المنهك، الذي كانت تحيط بعينيه هالات سوداء. صرت أرى وجهًا ممتلئًا بالثقة، وعينيه تلمعان بقوة رجل يمتلك العالم، أو بالأحرى، يمتلك مفاتيح مغادرته.
أنا يوسف المنسي، النجم الأوحد، حاصد الأرواح الأنيق الذي تنتظر الجماهير مقالاته بشغف مرضيّ.
أغلقت نوافذ سيارتي. رمقت المشاة على الأرصفة بنظرة سريعة، كم وجدتهم مثيرين للشفقة! أراهم يركضون، يتشاجرون، ويخططون لمستقبلهم بغباء، ولا يدرك أحدهم أن مسار حياته التافهة قد ينتهي الليلة بجرة قلم مني. سحقًا، أو حرقًا، أو رميًا بالرصاص.
نعم، أدركت أن السلطة المطلقة مسكرة. أيقنت أنه لا يوجد مخدر في العالم يضاهي نشوة أن أمر بجوار الناس في الشارع وأنا أعلم أن بكلمة واحدة مني سأنهي حياتهم. أتذكر أنني في البداية كنت أرتعد، لكنني اكتشفت أن النفس البشرية بئر من القذارة لا قاع له؛ فمع الوقت تبلد ضميري واعتدت الأمر، ثم أدمنته إدمانًا مرعبًا.
وصلت إلى قلب القاهرة المزدحم، هناك ينتصب المبنى الكلاسيكي لجريدة "الحقيقة". بمجرد أن اقتربت بسيارتي من البوابة الرئيسية، أبصرت أفراد الأمن يهبون واقفين، ورأيت أحدهم يهرع ليفتح لي باب السيارة وهو ينحني أمامي احترامًا. لم أكلف نفسي عناء الرد عليهم، واكتفيت بأن أومئ لهم إيماءةً متعجرفةً بأطراف أصابعي.
وقبل أن أترجل، مددت يدي إلى المقعد المجاور وحملت حقيبةً رياضيةً صغيرةً سوداء. لمحت الدهشة تعبر عيون رجال الأمن عبورًا خاطفًا ثم تنطفئ؛ فالأستاذ يوسف لم يحمل بيده شيئًا منذ عامين، غير أن أحدًا هنا لم يعد يجرؤ حتى على الدهشة أمامي.
في الحقيبة بنطال قطني قديم، وقميص فقد لونه، وقبعة قماشية، وحذاء أكل الرصيف حوافه. ثياب رجل مطحون كنته يومًا، أخرجتها فجر اليوم من قاع الخزانة وطويتها بيدي طية العارف بقيمتها؛ فأثمن ما أحمله هذا الصباح ليس البدلة التي تكسوني، بل هذه الخرق النائمة في الحقيبة.
دخلت بهو الجريدة. استمتعت بذلك الصمت المفاجئ الذي ساد المكان، وراقبت توقف همسات المحررين الصغار بمجرد رؤيتي.
رأيتهم يتنحون جانبًا ليفسحوا لي الطريق، ولمحت في عيونهم الرهبة، الحسد، والخوف الأعمى. أعرف ما يتهامسون به دائمًا:
"هذا هو العبقري، الصحفي الذي لا تفوته كارثة، الرجل الذي يتوقع الحوادث".إنهم لا يعلمون أنني لا أتوقع الحوادث، بل أكتبها.
تجاوزت الطابق الأول، واستقللت المصعد الزجاجي الحديث المخصص للإدارة. ضغطت على الزر المؤدي إلى الطابق الرابع، طابق صناعة القرار.
عبرت الممر المفروش بسجاد أحمر، حتى وصلت إلى باب مكتبي، قرأت عليه اسمي المحفور بأحرف نحاسية لامعة:
"يوسف المنسي - رئيس تحرير قسم التحقيقات".دفعت الباب ودخلت. وجدت مكتبي فسيحًا، ومكيفًا ببرودة لاذعة، وقفت قليلًا أمام واجهته الزجاجية، أطل منها على شوارع العاصمة. ألقيت سترتي على الأريكة، وجلست خلف مكتبي.
فتحت حاسوبي، وتابعت المؤشر الأسود وهو ينبض كعادته. كان ينتظرني. ينتظر الضحية الرابعة والعشرين التي سأقدمها كقربان الليلة.
سمعت طرقتين خفيفتين ومترددتين تقطعان حبل أفكاري الدموية. "ادخل،" قلتها بصوت آمر.
أبصرت عم سيد، الساعي العجوز يدلف إلى غرفتي، محدودب الظهر، يجر قدميه ببطء، بملامحه الطيبة التي ألفتها. راقبت الصينية الفضية وهي ترتجف قليلًا بين يديه. أدركت أن هذا الرجل العجوز هو الوحيد هنا الذي لا ينظر إليّ بانبهار، بل يطالعني بخوف خالص، كأنه يشم رائحة الجثث المتعفنة التي تنطح من انفاسي.
راقبته يقترب من المكتب بصمت، وينحني ليضع لي فنجان الشاي.
"تفضل الشاي يا أستاذ يوسف،"سمعته يقولها بصوت ضعيف، وهو يتجنب النظر في عيني.
حولت بصري إلى البخار المتصاعد من الفنجان الأنيق، وابتسمت ابتسامةً باردةً، وأنا اسرح بخيالي في كل ما فات.
من هي الضحية الرابعة والعشرون؟ وما الذي في الحقيبة السوداء؟
القصة الكاملة تنتظرك في صفحات "قلم للقتل".