بقلم هنري ماكسويل
في شتاء عام ١٩٩٦، كان "چون بيير" يطوي عامه الثاني والثلاثين. موظفًا روتينيًا في إحدى الدوائر الحكومية بالدائرة الثانية في قلب باريس. كان "چون" رجل لا يراه أو يشعر به أحد، ينجز عمله في هدوء، وفي الخامسة مساءً ينصرف في صمت.
لم يكن يتحدث كثيرًا، وليس له أصدقاء بالمعنى المعروف. ورغم وسامته الهادئة، لم تكن له علاقة عاطفية ناجحة؛ فقد كان يمتلك تصورًا خاصًا لفتاة أحلامه، إذ كان يشترط أن تمتلك شعورًا مرهفًا، وروحًا شفافة.
كان يسكن شقةً صغيرةً في شارع "فوجيرار" بالدائرة الخامسة عشرة، وهي منطقة هادئة تسكنها الطبقة الوسطى، بعيدة نسبيًا عن صخب وسط المدينة. هذه المسافة كانت تفرض عليه ركوب حافلة النقل العام يوميًا، في طريق يمر حتمًا من أمام مبنى الأوبرا. كان "چون" يمتلك طقسًا لا يتغير؛ يعتمر دائمًا قبعته "الفيدورا" السوداء، وبمجرد جلوسه يغرس عينيه في صفحات كتاب سميك، وكأنه يرفض أن يرى الناس، ولا يرفع عينيه أبدًا إلا عند نزوله.
لكن الأمر الغريب، أنه في يوم الخميس الرابع من شهر يناير عام ١٩٩٦، تجاوز "چون" دستوره. رفع عينيه لأول مرة، ليرى ما كان يخبئه له القدر.
مسح البخار عن زجاج النافذة، فوقع نظره على صورة عملاقة لإعلان لم يستطع أن يرفع نظره عنه. كان الإعلان يروج لحفل يوم السبت لكونشرتو الكمان لـ"مندلسون" من مقام "مي" الصغير، ذلك الكونشرتو الذي كان مفتاحًا لروحه. استعاد فجأةً ذكريات طفولته، حين كان يضم الكمان إلى صدره ويحلم بأن يصبح عازفًا يشار إليه بالبنان. وصل في العزف إلى مرحلة معينة، ثم توقفت موهبته كأنها اصطدمت بجدار صلب لم تستطع تخطيه. تذكر يوم نصحه معلمه العجوز ألا يضع آماله في ذلك الحلم. والآن كل ما يتذكره، هو الإحساس المرهف الذي تتطلبه هذه المقطوعة بالذات.
باندفاع لا يمت لروتينه بصلة، توقف في طريق عودته، وعاد أدراجه ليحجز تذكرةً في الصف الأول لحفل السبت. ومن الكتيب الدعائي، عرف أن التي ستعزف المقطوعة فتاة شابة، تتمتع بموهبة كبيرة، تدعى "ڤاليري".
جاء مساء السبت المرتقب. امتلأت الأوبرا عن بكرة أبيها. أظلمت القاعة، ودخلت "ڤاليري"، شابة رقيقة. وما إن رفعت القوس وبدأت عزف المقطع الأول، حتى نسي "چون" العالم من حوله تمامًا. تبخرت الجدران، وسقط في غيبوبة من النشوة، وأحس أنه يسبح في عالم وردي. استمر هذا الشعور لدقيقة واحدة، قبل أن يفيق كمن لدغ بصاعقة، عندما احتدمت الأوركسترا بأكملها في الرد عليها بهدير موسيقي عنيف.
كان إحساس العازفة عاليًا جدًا، ومجنونًا. لم تكن تعزف، بل كانت تقطر مشاعرها. شعر "چون" بأوتار الكمان تعزف في قلبه هو، وتمزق أغشيته بقسوة. لقد وجدها! هذه هي الروح المرهفة التي طالما بحث عنها.
عندما انتهى الكونشرتو بضربة القوس الأخيرة، خيم صمتٌ للحظة، ثم ضجت القاعة بعاصفة مدوية من التصفيق الحاد.
كان "چون" مسلوب الإرادة. سيطرت عليه رغبة ملحة في أن يركض إليها، أن يصافحها ويصارحها بأنها تملك شعورًا لا يضاهى، وبأنها عزفت لحن حياته. اندفع نحو الكواليس، لكن الواقع السخيف تدخل كعادته. منعه أفراد الأمن من العبور إلى حجرتها.
لم يستسلم. اقتطف وردةً حمراء من إحدى المزهريات في البهو، وخرج إلى خلف الأوبرا، ليقف وحيدًا أمام باب الفنانين. وهناك، في الصقيع، وقف "چون" يضم الوردة إلى صدره، في انتظار خروجها.
خرجت "ڤاليري" بصحبة بعض عازفات الأوركسترا. كن يتبادلن الأحاديث ويضحكن في نشوة، ولكن ما إن وقعت أعينهن على "چون" واقفًا في الصقيع، حتى ابتلعن كلماتهن، وارتسمت على شفاههن ابتسامات ذات دلال. كان چون يبدو وسيمًا، تحيط به هالة من الرومانسية الكلاسيكية، ممسكًا بتلك الوردة الحمراء، وكأنما يحمل قلبه النابض بين كفيه العاريتين، يخشى عليه من قسوة الريح.
تقدم نحوهن بخطوات ثابتة، ثم توقف أمام ڤاليري مباشرةً. لم ينطق بكلمة واحدة. اكتفى بأن قدم لها الوردة الحمراء، ونظر في عينيها. اصطخبت الكلمات في صدره، أراد أن ينطق، أن يخبرها كيف دغدغت أوتارها روحه، وكيف أعادت مشاعره من منفاها الاختياري، لكن الكلمات لم تسعفه واختنقت في حلقه. غير أن نظراته كانت تفيض بالمشاعر، وتترجم ما يعجز عنه لسانه.
تركها ومشى مبتعدًا. وما لم يلاحظه "چون"، هو أن ڤاليري لم تتحرك قيد أنملة. سمرتها الدهشة في مكانها، وظلت واقفةً تنظر إليه وهو يبتعد. شعرت من داخلها أن هناك شيئًا مختلفًا ومربكًا في هذا الرجل، شيئًا يتجاوز إعجاب الجماهير العابر، ليلامس أوتار روحها هي.
منذ تلك الليلة، تحول چون من موظف لا يراه أحد إلى عاشق يقتفي أثر معشوقته. تتبع أخبارها لحظةً بلحظةً. عرف أن حفلها القادم في أوبرا مدينة بوردو، فحجز تذكرةً وسافر إليها متجاهلًا روتينه المقدس. وعندما ظهرت على المسرح، كان هو يجلس في الصف الأول، يبتلع نغماتها بعينيه. وكما حدث في المرة الأولى، كان ينتظرها بالوردة الحمراء عند باب الفنانين في النهاية، ليقدمها ويمضي.
استمر الأمر لعدة حفلات، عبر مدن مختلفة. يحضر، يقدم الوردة في صمت، ثم يرحل. بات هذا الطقس جزءًا اساسيًا من حفلاتها.
ولكن بعد شهرين، وتحديدًا في أوبرا باريس، حدث ما كسر هذه الدائرة. قبل أن تظهر ڤاليري على المسرح، وقفت تختلس النظر من شق بسيط من خلف الستارة إلى الجمهور قبل البداية. ولكن من داخلها، لم يكن هذا الجمهور يعنيها في شيء. كانت عيناها تبحثان بلهفة عن وجه واحد فقط؛ الرجل ذي الوردة الحمراء الذي لا تعلم اسمه حتى الآن.
ولأول مرة، لم يكن موجودًا. مقعده كان فارغًا.
خرجت إلى المسرح وعزفت الكونشرتو، لكنها كانت تشعر بداخلها بشيء فادح ينقصها. كان هذا شعورًا غريبًا عليها تمامًا؛ أن تكتشف أن طيفه قد أصبح جزءًا من موسيقاها، وأن غيابه سلبها قدرتها على التحليق. كانت النغمات تخرج صحيحة، لكن الروح كانت مفقودة.
وفي غمرة هذا التخبط، وبمجرد أن أسدلت الستار، قررت أن تضع النقط على الحروف، وأن تتمرد على كبريائها لتأخذ زمام المبادرة عندما يظهر هذا الرجل مرةً أخرى.
خرجت ڤاليري كعادتها بصحبة بعض العازفات من باب الفنانين. ولكن ما إن خطت خطواتها الأولى في الخارج، حتى أدركت أن عينيها وعقلها لم يكونا معها على الإطلاق. كانت تبحث بلهفة عن الوردة الحمراء. التفتت حولها، مسحت الوجوه والزوايا المظلمة، فلم تجده.
تأخرت قليلًا، تعبث بمعطفها، بينما كن يحثثنها على المشي. وكانت هي تؤخر الخطى عمدًا، تماطل الزمن بحثًا عنه. وعندما اقتربت من الخروج إلى الشارع الرئيسي، وبعد أن يئست تمامًا من رؤيته، لمحت خيالًا يستند بوهن على الجدار الحجري.
لم تتبين من هو في البداية، لكنها تبينت بوضوح تلك الوردة الحمراء.
اندفعت نحوه متجاهلة نداءات رفيقاتها، وعندما اقتربت منه، صعقت. رأته يتصبب عرقًا، ووجهه شاحب مثل الأموات، وكان بالكاد يستطيع أن يقف على قدميه. وبالرغم من الحمى، كان هنا في انتظارها، يمسك بوردتها كأنها طوق نجاته الأخير.
سندته فورًا، وقررت من داخلها ألا تتركه يواجه هذا الانهيار وحيدًا. أسندته بمشقة بالغة ووضعته في سيارتها. وبصوت يتهدج من الإعياء، أعطاها العنوان، ثم أغمض عينيه واستسلم لغيبوبة المرض بجانبها.
عندما وصلوا، أسندته مجددًا بكامل ثقله وأدخلته إلى شقته في الطابق الثالث. كان بالكاد يقوى على الوقوف. طرحته على سريره، ثم طلبت طبيبًا من مركز الخدمة الليلية. حضر الطبيب سريعًا، وبعد فحصه وجد عنده بردًا شديدًا، وحرارته تصل إلى تسع وثلاثين درجة ونصف، وأكد أنه لا بد له من عناية. وعندما طلب الطبيب اسمه ليكتب الوصفة، ارتبكت ڤاليري، وتلعثمت قائلة بحرج إنه صديق تعرفت عليه لتوها.
بعد رحيل الطبيب، كان الفضول ينهشها نهشًا. ذهبت تتفقد الشقة على استحياء. كانت شقة صغيرة، حجرة نوم وصالة استقبال، ولكن كان هناك غرفة أخرى مغلقة.
فتحت الباب ببطء، وما إن أضاءت النور، حتى توقفت في حيرة ألجمتها.
كانت غرفة مكتب، ولكن على الجدران، كانت صورها هي معلقة في كل مكان، قصاصات من الصحف والجرائد والمجلات. كان مهووسًا بها. شعرت بصدمة تجتاحها، شعرت أن كل شيء في هذه الغرفة يمت لها بالصلة، بل شعرت وكأنها تعيش معه هنا من دون أن تدري.
وسط هذا الذهول، رأت دولابًا صغيرًا. فتحته بأنامل مرتعشة، فوجدت علبة كمان.
ضربها الذهول من جديد. فتحت العلبة، فوجدت كمانًا احترافيًا مكتوب عليه اسمه، أمسكت بالكمان. كان سليمًا تمامًا. أدركت حينها أن هذا الرجل ليس مجرد معجب، بل روح تشاطرها لغتها الموسيقية.
عادت لتجلس أمامه على الكرسي الهزاز، تنظر إليه وهو يتصبب عرقًا، تحرسه كما كان يحرس طيفها.
وعندما أفاق في الصباح، ظن أنه يحلم. فكل ما يتذكره أنه كان في طريقه للأوبرا، ظن أنه لم يغادر البارحة، ظن أنه لم يذهب إلى الأوبرا بالرغم من مرضه، وأنه لم يأخذ الوردة ليعطيها لها.
ظن أن ما يراه الآن لابد أنها أوهام الحمى، هذا غير صحيح. فمعشوقته تجلس الآن على كرسيه الهزاز أمامه، نائمة بسلام.
مد أصابعه بيد مرتعشة ولمس يدها ليتأكد أنها حقيقية وليست سرابًا.
عند لمسته، فتحت عينيها. نظرت إليه، وعلى وجهها ارتسمت ابتسامة دافئة، وقالت له بصوت رقيق:
"كيف حالك الآن چون بيير؟"لم يصدق "چون" أذنيه وهو يسمع اسمه ينساب من شفتيها كالنغم، ولم يصدق عينيه وهو يراها تتناول كمانه العتيق، ترفعه، وتمرر القوس على أوتاره لتعزف له مقطوعته المفضلة. في تلك اللحظة، وسط نغمات الكمان، ذاب الجليد الذي غلف روحه لسنوات.
ومنذ ذلك الصباح، أصبحا معًا.
كانا وحيدين، كلٌ منهما اعتمد على نفسه في هذه الحياة، وأيضًا كانا مختلفين كاختلاف الليل عن النهار. هو رجل منظم حد الهوس، هادئ كبحيرة راكدة، ولا يعترف بأي شيء يدعى العفوية في حياته. أما هي، فكانت شقيةً، فوضويةً، تضج بالحياة كأنها قطعة موسيقية ارتجالية. كانا نقيضين لا يجتمعان وفقًا للمنطق، ولكن الحب، في سخريته المعتادة وعبثه اللذيذ، ربط بينهما برباط متين.
وكما هو الحال دائمًا عندما يغادر الحب غرف الأحلام ليواجه الواقع، بدأت الاختلافات تطفو على السطح. كان "چون" يريد الزواج والاستقرار في بيت هادئ. وفي المقابل، كانت موهبة "ڤاليري" تتفجر، وتلقت عروضًا للعزف مع معظم فرق العالم، في أوروبا، وأمريكا، وأستراليا.
كان هذا العرض يعني غيابها لفترة طويلة جدًا، ويعني بوضوح دمارًا لخطط چون المنظمة.
في ليلة الوداع، ذهب معها إلى محطة القطار المركزية. كانت جولتها ستبدأ من سويسرا، لتنتهي في باريس في التوقيت ذاته من العام القادم.
وقفا على رصيف المحطة، وسط صخب المسافرين. كانت الدموع تترقرق في عينيها، بينما كان هو يمسك بيديها بقوة. نظرت إليه، وقالت بصوت يرتجف:
"سأعود في نفس اليوم، الخامس من نوفمبر من العام القادم. سأكون على هذا القطار، في الساعة السابعة مساءً. عدني أنك ستكون موجودًا لانتظاري."نظر إليها بيقين، وقال بنبرة قاطعة:
"لو انطبقت السماء على الأرض، سأكون جالسًا في مقهى المحطة في انتظارك."مرت السنة ثقيلةً. كان "چون" يعد الأيام، الساعات، بل والدقائق. وفي يوم الخامس من نوفمبر المنشود، ارتدى أفضل ثيابه، وحمل الوردة الحمراء، وتوجه إلى مقهى المحطة الكلاسيكي. جلس على الطاولة المواجهة للرصيف رقم ثلاثة، طلب فنجانين من القهوة، وراح يراقب عقارب الساعة.
دقت السابعة تمامًا. لكن القطار لم يصل، ولم تشر اللوحات الإلكترونية إلى ما إذا كان سيتأخر أم لا. توقفت قطارات أخرى، واندفع الركاب خارجين من الأبواب. مسح "چون" الوجوه وجهًا وجهًا بقلب يخفق كالطبل، ظنًا منه أنها ربما بدلت قطارها. فرغ الرصيف، وتلاشى الزحام، لكن "ڤاليري" لم تحضر.
لم يعرف لغيابها سببًا، فقد تحدثا البارحة فقط، وأكدت له أنها ستكون في قطار السابعة.
وفي العاشرة مساءً، انطلقت نشرات الأخبار العاجلة تحمل الكارثة. القطار الدولي الذي كان يحمل الركاب من سويسرا، تعرض لحادث مروع نتيجة انهيار جسر قديم. سقطت العربات في النهر الهائج في قاع الوادي. مئات الضحايا، وعشرات الجثث المفقودة التي جرفها التيار العنيف. وكان اسم "ڤاليري" مدرجًا بوضوح في قائمة ركاب ذلك القطار المنكوب.
في الأيام التالية، أقيمت سرادقات العزاء، وبكت باريس خيرة مواطنيها. لكن "چون" لم يبك. لم يحضر العزاء، ولم يرتد الأسود. ذهب في اليوم التالي، في تمام السادسة والنصف مساءً، إلى المقهى ذاته. جلس على الطاولة ذاتها يحمل الوردة الحمراء، طلب فنجانين من القهوة، وراح ينتظر قطار السابعة، ناظرًا إلى البوابة بعينين لا ترمشان.
اعتقد الجميع في البداية أنها صدمة عصبية مؤقتة، أو هرمونات يفرزها العقل ليرفض استيعاب فجيعة تفوق طاقته. لكن الأسبوع صار شهرًا، والشهر صار عامًا، والعام امتد لسنوات. تحول "چون" إلى معلم من معالم المحطة. كل يوم، صيفًا أو شتاءً، يأتي في الموعد بدقة متناهية، يجلس، يضع وردته الحمراء علي الطاولة بجانب فنجانها الفارغ، يشرب قهوته. يراقب الركاب، ثم يدفع الحساب وينصرف في صمت.
في العام الثالث لانتظاره، حدثت مواجهة غير متوقعة. اقتحم أحد أقارب ضحايا القطار المقهى في ليلة ممطرة. كان غاضبًا، محتقن الوجه، ولم يحتمل رؤية "چون" يمثل دور العاشق المهووس، بينما قبر أمه الرمزي يغطيه التراب.
ضرب الرجل الطاولة بيده بقوة أسقطت فنجان القهوة الفارغ، وصرخ في وجه "چون" أمام الزبائن المذعورين:
"كفاك جنونًا ومسرحيات هزلية! لقد ماتت! أسماك النهر أكلت لحمها! هل تظن أنك بهذا العبث ستعيدها إلى الحياة؟ أنت تنكأ جراحنا، تنكأ جراح كل أهالي من كانوا في القطار، كل يوم بجلوسك هنا كتمثال ملعون! ومعك تلك الوردة الحمراء"لم يهتز "چون". أخرج منديلًا، ومسح قطرات القهوة التي تناثرت على سترته ببرود، ثم رمق الرجل بنظرة قاتلة وقال بصوت كالهسيس:
"أنت تتحدث عن جثة دفنتها أنت في خيالك. أما أنا فأتحدث عن امرأة وعدتني أن تأتي في قطار السابعة. هي لا تخلف وعودها، والقطار سيتأخر قليلًا. خذ حزنك وارحل من هنا، ولا تقف أمام الكرسي الخاص بها."تراجع الرجل مهزومًا ومذعورًا أمام هذا اليقين المرعب، ولم يجرؤ أحد على مواجهته بعد ذلك.
في العام العاشر لانتظاره، تعرض چون لاختبار من نوع آخر. كانت هناك نادلة جديدة في المقهى تدعى "ماري". شابةً ناضجةً، قست عليها الحياة لكنها تحمل قلبًا كبيرًا. راقبت ماري وفاء چون الصامت يوميًا، حتى وقعت في غرام هذا الحزن والوفاء النادر. أرادت أن تنتشله من هذا القبر البارد الذي حبس نفسه فيه.
في إحدى الليالي، رحل القطار، وخلا المقهى من الزبائن تقريبًا. اقتربت ماري من طاولته، وبدلًا من سكب القهوة والابتعاد كعادتها، جلست بجرأة على الكرسي الفارغ أمامه، الكرسي المحرم.
رفع چون عينيه، ورمقها بنظرة غاضبة.
قالت ماري وصوتها يرتجف، وعيناها تفيضان بالدموع الحقيقية:
"أعلم أنك تتألم. وأعلم أنها كانت عظيمةً لتستحق كل هذا. لكنك تقتل نفسك ببطء. أنا لست ڤاليري، ولا أريد أن آخذ مكانها أو أمحو ذكراها. أنا فقط امرأة وحيدة، أريد أن أصنع لك فنجان قهوة دافئًا في بيت حقيقي، لا في مقهى محطة يضج بالغرباء. دعني أساعدك لتعيش ما تبقى من عمرك إنسانًا، وليس كشاهد قبر."كان هذا العرض هو طوق النجاة الأخير. امرأة حقيقية، من لحم ودم وحنان، تعرض عليه الحياة. لكن چون لم يكن يبحث عن الحياة. كان يبحث عن الخلود في لحظة الألم الممتدة.
أخرج ورقةً نقديةً، وضعها على الطاولة، وقال بصوت جاف قاطع:
"المشكلة يا سيدتي أنك حقيقية جدًا وملموسة. وأنا لم أعد أنتمي لعالم الأحياء. إذا قمت من هذا المقعد ومضيت معك، ستموت ڤاليري للمرة الثانية، وهذه المرة سيكون الموت الأبدي على يدي أنا. أنا حارس ذكرى لا تموت، والحراس لا يتركون مواقعهم من أجل امرأة عابرة. عذرًا، لا أستطيع فعل ذلك."بكت ماري بشدة، وأدركت في تلك اللحظة الحقيقة المفزعة؛ هذا الرجل لا يعشق المرأة المفقودة، بل يعشق الانتظار ذاته. لقد أدمن دور الضحية، وأصبح الوفاء سجنه الاختياري الذي يخاف الخروج منه لئلا تنهار القصة التي بنى عليها وجوده، ويضطر لمواجهة فراغه الداخلي. انصرفت ماري محطمةً، وتركته لعزلته.
مرت عشرون عامًا أخرى. ثلاثون عامًا في المجمل من الانتظار اليومي.
تغيرت ملامح المحطة تمامًا؛ استبدل المقهى القديم بآخر حديث ذي إضاءة مبهرة، وتغيرت أشكال القطارات لتصبح أسرع وأكثر طولًا. أما "چون"، فقد تقوس ظهره، واشتعل رأسه بالشيب، وتجعد وجهه، وصار يتوكأ على عصا. صار عجوزًا، لكن موعده ظل دقيقًا كدقات ساعة سويسرية. أصبح أسطورةً يتهامس بها المسافرون، والأمهات يشرن إليه ليضربن لأبنائهن مثلًا في الوفاء.
ثم جاء اليوم الموعود. اليوم الذي اهتز فيه وجدانه، وانشقت فيه السماء عن أثقل مفاجأة يمكن أن يتحملها إنسان.
كانت الساعة تقترب من السابعة مساءً. دوى صفير القطار. فتحت الأبواب، وتدفق الركاب. وكالعادة، لم تهبط "ڤاليري".
ترك وردته الحمراء على الطاولة، وقبل أن ينهض ليغادر، تجمد في مكانه. سمع من خلفه صوت كمان يعزف مقطوعته المفضلة. لم يصدق أذنيه، فهذه المقطوعة لم تفارق خياله منذ ثلاثين عامًا، ولكن ذلك الإحساس الصافي لم يسمعه أيضًا منذ ثلاثين عامًا. لابد وأنها روح "ڤاليري"، أو أحد العازفين يقلدها. يا إلهي، إنها نفس ضربة القوس! لم يلتفت، ولكن الصوت كان يقترب ببطء حتى توقف أمامه تمامًا. نظر إليها، فوجد امرأةً عجوزًا ترتدي معطفًا أسود ثقيلًا، وتضع نظارةً طبيةً سميكةً تخفي نصف وجهها المليء بالتجاعيد.
كانت هي "ڤاليري".
لم تمت "ڤاليري" غرقًا في النهر. الحقيقة كانت أبشع. في ذلك اليوم، قبل ثلاثين عامًا، وقبل أن تستقل القطار المشؤوم، انهارت شجاعتها. وقفت في محطة "چنيف"، ونظرت إلى التذكرة في يدها. تخيلت عودتها إلى قيود "چون" الصارمة، وإلى حياته الرتيبة كبندول الساعة، وإلى التخلي عن الأضواء والنجاح والموسيقى الصاخبة من أجل بيت هادئ وممل.
تراجعت. أعطت تذكرتها لأحد الركاب الذي لم يجد تذكرةً، ولم تستقل القطار. وحين سمعت الأخبار في المساء، وعلمت أن القطار قد سقط في النهر وأن الجميع يظنونها ميتةً، وجدت فيها فرصةً ذهبيةً للهروب دون أن تضطر لمواجهته وتكسر قلبه. اختارت أن تكون ميتةً في نظره، على أن تكون خائنةً حيةً.
عاشت حياتها في أوروبا، وتزوجت قائد أوركسترا. ولغرائب القدر، فضل زوجها أن تترك المسرح وتتفرغ لبيتها وأطفالها؛ فعملها كان يتطلب المواظبة على التمرين لساعات طويلة، والسفر المرهق، وكان هذا كله قد أصبح عبئًا مستحيلًا في وجود الأطفال.
لكن بعد ثلاثين عامًا، توفي زوجها، وتركها أبناؤها وحيدةً. وتحت وطأة الشيخوخة، والشعور بالذنب الذي ظل ينهشها طوال ثلاثين عامًا، وهي تعلم أنه تحول إلى أسطورة في الوفاء، وأنه لا يزال ينتظرها كل يوم في مقهى المحطة. قررت أن تعود. جاءت لتبحث عن المغفرة، لتموت بسلام، ولتعترف للرجل الوحيد الذي أثبت أن حبه كان حقيقيًا، بخيانتها.
وقفت أمام طاولة "چون". نظرت إلى ظهره المنحني، وإلى شعره الأبيض، وإلى فنجان القهوة البارد الموضوع أمام الكرسي الفارغ، وإلى وردتها الحمراء التي تذكرتها كالأمس.
انخرطت في بكاء مرير، وبيد مرتعشة، سحبت الكرسي الفارغ، وجلست أمامه.
رفع "چون" رأسه ببطء شديد. التقت أعينهما. قالت "ڤاليري" وصوتها يختنق بالدموع والندم:
"لقد جئت. أعلم أنني تأخرت ثلاثين عامًا. كنت جبانةً، خفت من العودة، خفت من قيودك ومن استقرارك الخانق. لم أكن في ذلك القطار، بل استغللت الحادثة لأهرب. لقد عشت حياةً مزيفةً خاليةً من أي حب حقيقي. لقد جئت إليك الآن، منكسرةً وعجوزًا، لا أملك سوى ندمي. أرجوك، عاقبني، اصفعني، لكن اغفر لي في النهاية. لقد عدت."ظل "چون" يحدق في وجهها لفترة طويلة. كانت عيناه تمسحان التجاعيد المحفورة في وجهها، وتتأملان ضعفها، وتستوعبان حجم الخيانة التي نطقت بها شفتاها. لم تكن هناك دمعة واحدة في عينيه. لم يكن هناك شوق، ولا غضب مجنون، ولا حتى عتاب محب.
قال "چون" بصوت هادئ، أجش، ومخيف:
"عذرًا يا سيدتي. يبدو أنك أخطأتِ في الطاولة."صدمت "ڤاليري". اتسعت عيناها وصرخت:
"أنا ڤاليري! ألا تعرفني؟ تأمل ملامحي جيدًا! أنا ڤاليري التي انتظرتها كل هذه السنين! لقد عدت إليك!"ابتسم "چون" ابتسامةً شاحبةً، والتفت نحو النادل الشاب، وقال بنبرة رسمية:
"من فضلك، هل لك بإخبار هذه السيدة أن هذا الكرسي محجوز؟"عادت "ڤاليري" تصرخ، وتحاول الإمساك بيده:
"أرجوك لا تعاقبني هكذا! أنا أمامك، من لحم ودم، أنا حقيقتك التي عشت من أجلها طوال ثلاثين عامًا!"هنا، سحب "چون" يده بقوة من بين يديها. التمعت عيناه ببريق من الجنون والغضب المخيف. انحنى نحوها قليلًا، وقال بصوت يشبه الفحيح، ليغرس نصل الحقيقة في صدرها:
"أنتِ لستِ حقيقية. أنتِ مجرد امرأة عجوز، جبانة، هربت واختارت الأضواء على حساب شرف الوعد. ڤاليري التي أعرفها، تمتلك شجاعةً تكفي للموت في سبيل حبها. ڤاليري التي أنتظرها لم تتخلف عن موعدها، بل ماتت غرقًا في النهر وهي في طريقها إلي في تلك الليلة، وفضلت الموت على أن تتركني وحيدًا. أنا أنتظر طيف تلك الفتاة العظيمة. أما أنتِ، فمجرد جثة تمشي على قدمين، تحملين اسمها وتسعين لتلويث سمعتها. لا تلمسي فنجان القهوة الخاص بها، وارحلي من هنا قبل أن يفوتك قطار العودة إلى جحيمك."نهض "چون" ببطء ومعه وردته الحمراء، استند على عصاه، وترك لها الطاولة وفنجاني القهوة. سار متجاوزًا إياها، ووقف على رصيف المحطة يراقب القطار التالي، تاركًا إياها منهارةً على الكرسي، تبكي بحرقة امرأة قتلت مرتين؛ مرةً بسوء اختيارها، ومرةً برفض من اختارها.
بعد أيام قليلة من هذه الحادثة، مات "چون" على مقعده في مقهى المحطة. مات وهو يحرس وهمه العظيم، تاركًا خلفه مدينة كاملة تتغنى بوفائه الأعمى، ووردة حمراء مازالت في انتظار حبيبته.