مقال عن النوستالجيا وشخصيات القاهرة التي لا تُنسى | بقلم هنري ماكسويل
عدتُ إلى القاهرة لفترة قصيرة، ولم يكن هناك بد من زيارة ذلك الركن الذي يسكنني منذ الصبا. اتجهتُ إلى شارع قصر النيل الذي كان يومًا ما يضاهي شوارع أوروبا أناقةً ونظامًا. هناك، وقفتُ أمام باب (جروبي)، ذلك المكان الذي كان "بروتوكولاً" حياتيًا كاملًا في يوم من الأيام.
ذهبت من أجل تلك العادة التي علمها لي أبي -رحمه الله-؛ شاي الخامسة. كان أبي يقول لي دائمًا إن الساعة الخامسة هي "برزخ" اليوم؛ حيث ينتهي صخب العمل وتبدأ سكينة المساء، ولا بد من استقبالها بكوب شاي بعدما تفرغ من عملك. في تلك الأيام، وتحديدًا في عام ١٩٨١ وما بعدها، لم يكن هناك غير (جروبي)؛ كان هو القمة التي لا يطاولها مكان آخر، وكان يمتلك "رائحة" خاصة، مزيجًا من عبق التاريخ، ونسمات الصدق التي تفوح من وجوه البشر.
وبينما كنتُ أرشف الرشفة الأولى، وجدتُ الذاكرة تجرفني قسرًا إلى ذلك الزمن. نظرتُ من خلف الزجاج إلى الشارع، فقفزت إلى ذهني صورة (عم صابر). هل تراه؟.. بالتأكيد يمكنك ذلك، أنه ذلك الرجل الذي يرتدي سترة صفراء... إنه (عم صابر)، إمبراطور الأسفلت غير المتوج، والرجل الذي يمتلك حق السيادة المطلقة على كل بقعة أرض يطأها إطار سيارة في هذا الشارع.
ما هو عمله الحقيقي؟.. ظاهريًا هو "سايس"، لكنه في الواقع "مايسترو" يقود أوركسترا من المحركات الصاخبة، والفرامل المحتجة. بيده خرقة قماشية بالية، كانت يومًا قميصًا أو ربما ستارة، يلوح بها في الهواء كأنها علم لدولة منسية، يوجه هذا ويمنع ذاك، ويطلق صافرة حادة تخترق سكون الشارع، معلنًا بدء مراسم "الركن".
عم (صابر) لا يحتاج لخرائط جوجل، فهو يحفظ تضاريس الشارع بـ (السنتيمتر).. يعرف أين توجد الحفرة التي ستبتلع مساعدين سيارتك، ويعرف الزاوية السحرية التي تسمح لسيارة ضخمة بأن تحشر نفسها في مساحة لا تسع دراجة أطفال، ليحول الفراغ الضيق إلى مساحة انتظار.
كنت أرى في (عم صابر) تجسيدًا لأسطورة "سيزيف"؛ ذلك الذي حُكم عليه بدفع صخرة إلى قمة الجبل لتسقط ثانية. (عم صابر) يدفع السيارات ويلصقهم ببعضهم البعض؛ ليجد المساحات لسيارات اخري، ويظل علي هذا المنوال حتى نهاية اليوم، وفي اليوم الثاني يبدأ من جديد… يومًا بعد يوم، وعامًا بعد عام، في حلقة مفرغة من "الصافرات" والتلويح بالخرقة البالية.
لو تأملت وجهه جيدًا، ستجد سطورًا من التجاعيد خطت عليه، لقد مر علية كل طبقات المجتمع، وكلهم يعرفونه، كان دائمًا يفتخر بالست "أم كلثوم"، وأنه هو من كان يحرس سيارتها اثناء غنائها في سينما قصر النيل.
(عم صابر) أيضًا يعرف "أسرارًا " كثيرة.. يعرف أن صاحب السيارة الفارهة الذي يرتدي بدلة أنيقة، هو في الواقع رجل مفلس، وأن الشاب الذي يقود سيارة مهلهلة، هو الوريث الوحيد لثروة طائلة لكنه يعشق البساطة. (عم صابر) هو الشاهد الصامت على خياناتنا الصغيرة، وتأخرنا عن المواعيد، ومشاجراتنا الزوجية.
المفارقة المضحكة المبكية، هي أن (عم صابر) الذي يتحكم في سيارات بملايين الجنيهات، لا يمتلك حتى "دراجة" هوائية.. هو يوزع "الأمان" على ممتلكات الآخرين، بينما يفتقر هو للأمان في يومه التالي. إنه "حارس النعمة" التي لا يذوق منها شيئًا. أحيانًا، تسمعه يتشاجر مع سائق متعجرف يرفض أن يعطيه "البقشيش". كان دستور (عم صابر) هو، إنه يجب أن يكون خفيًا بما يكفي لئلا يزعج الناس، وظاهرًا بما يكفي ليقبض الثمن، وهذه معادلة صعبة.
عندما ارتشفت الرشفة الأخيرة، أدركتُ أنني و(عم صابر) نشترك في شيء واحد؛ كلانا يراقب الشارع، لكن الفرق أنني أكتب عنه، وهو يعيشه. استيقظتُ من غفلتي ونظرتُ حولي، فالمكان هو المكان، والجدران هي الجدران، لكن شيئًا ما قد انكسر للأبد. نظرتُ إلى وجوه الناس، فلم أرَ تلك الابتسامة البسيطة بالرغم من صعوبة الحياة. رأيتُ وجوهًا متوترة، غارقة في شاشة الهواتف الباردة، وأرواحهم غائبة تمامًا حتى عن أنفسهم.
استدعيتُ (الجارسون)، دفعتُ الحساب وانصرفت. مشيتُ في الشارع وأنا أشعر بغصة في حلقي.
لقد غادرت مثقلًا بالهموم، وغادر (عم صابر) الوجود؛… تخيلته ينصرف؛ وهو يعرج قليلًا، ويلوح بخرقته البالية، تاركًا خلفه شارعًا كان هو إحدى علامته. هو لم يعد هناك ليرشدنا كيف "نركن" أرواحنا المتعبة؛ في زحام هذا العالم الموحش، لقد رحل ذلك الزمن، ورحلت معه الابتسامات الصادقة… والأهم من ذلك كله… رحل (عم صابر).