إلى أختي

مقال من دفاتر الذكريات العائلية | بقلم هنري ماكسويل

أجلس على مائدتي، وأرى الفرحة تتجسد وتتخذ مقعدها بجواري. كنا هنا.. أنا، وأمي، وأبي، وأختي الكبرى والتي تفصلني عنها ثلاث سنوات. عائلة تلتف حول طعامها في طقس يومي دافئ، وكأننا نشكل عقدًا عصيًا على الانفراط.

أكتب هذه الذكريات وأنا أبتسم، متذكرًا طيف أبي وهو يجلس عند رأس المائدة، كقبطان متمرس يدير دفة سفينته.

كان يتحكم في مجريات الأمور بدقة متناهية، حتى في أبسط التفاصيل؛ نظرة منه توزع أدوار الحديث، وكلمة منه تحسم أي نقاش. كانت الحياة تمضي بنا في تلك الأيام بنعومة فائقة، وكان يتسرب إلى مسامنا يقينٌ طفولي، وشعورٌ مخدرٌ وعميق بأننا سنظل معاً للأبد. وأننا محصنون ضد الزمن.

صدقوني، إن هذا الشعور الزائف بالأبدية قد ضربنا جميعًا، وصفعنا بشدة حين طرقت بابنا أولى مواجهات الحياة الحقيقية، أختي الكبرى ستتزوج!

وقع الخبر عليّ كالصاعقة. من داخلي، وبعقلي المحدود حينها، لم أستطع أن أتخيلها في دور "الأم" وربة البيت. أمي كانت تطير فرحًا كطبيعة الأمهات، ولكنني كنت ألمح في عينيها نظرة ترقب صامتة، قلقًا خفيًا من خروج أول عصفور من العش. أما أبي، فرغم أنه لم يكن يتخيل يومًا أن تترك طائرته المدللة حضنه وتهاجر، وكان غير مقتنع تمامًا بفكرة ابتعادها، إلا أنه كان رجلًا يقدس وعوده ومبادئه؛ لقد أعطانا الحرية الكاملة في إدارة شؤون حياتنا متى ما تخطينا عتبة العشرين.

لكن معاناتي أنا كانت من نوع آخر، أعمق وأكثر تعقيدًا. أنا وأختي كنا أقرب لبعضنا البعض جدًا، لم أكن أتخيل تفاصيل يومي، ولا حياتي بأكملها دون وجودها. كان السؤال الذي ينهشني ويرعبني، من سيقرأ كتاباتي التافهة بعد اليوم؟ هي من شجعتني على مسك القلم، هي أول جمهور صفق لي وصدقني بعد أن اكتشفتُ، وبفضلها، أنني من الممكن أن أؤلف قصة عظيمة الملامح بالرغم من بساطتها وركاكة مفرداتي في ذلك الوقت.

أتذكر ونحن صغار في المدرسة، كانت إذا ارتكبت خطأً ما، أو وقعت في مأزق، تهرع إليّ لاهثة بعينيها الواسعتين وتطلب مني أن أكتب لها قصة مختلقة أو عذرًا دراميًا لتقوله لأمي أو أبي أو إحدى مدرساتها لتنجو من العقاب. كانت تقول:

"هيا يا هنري... بسرعة، اكتب لي قصة قصيرة".

كنت أكتب لتنجو هي، وأنجو أنا بابتسامتها. كنا شركاء في كل شيء.. فكيف ترحل وتتركني أواجه بياض الورق وحدي؟

وما زاد الطين بلة، أن عريس الغفلة كان في طريقه للعمل في الولايات المتحدة الأمريكية. أمريكا؟! ركضت كالمجنون إلى غرفتي، أخرجت كتاب "الأطلس"، وفتحت خريطة العالم. وضعت إصبعي المرتجف على مدينتنا، ثم سحبته عبر المحيطات والقارات حتى وجدت تلك البلاد. يا إلهي! وجدتها بعيدة.. بعيدة جداً! إنها مسافة لا تُقطع بحافلة، ولن أصل إليها بسهولة وسرعة الوصول لميدان "العباسية" مثلاً!

هنا، تملكني رعب، وقررت المواجهة. كان تصرفًا في منتهى الأنانية، نعم، أنانية الحب المفرط الذي يتمنى حبس من يحب في قفصه الخاص ليأمن عليه من الغياب. ذهبت إلى أبي أقتحم خلوته، أطالبه، بل أحثه بقوة على رفض هذا العريس وإغلاق الباب في وجهه نهائيًا. نظر إليّ أبي بهدوئه المستفز لثورتي، ولما سألني عن السبب المنطقي لرفضي، قلت له بثقة مفتعلة كمن وجد ثغرة قانونية:

"هي لم تبلغ العشرين بعد! وأنت قلت إن قراراتنا وحريتنا تبدأ بعد العشرين!"

تعجب أبي، ونظر إليّ من فوق نظارته قائلًا بابتسامة خفيفة:

"ولكن هذه هي سنتها العشرون يا هنري."

فقاطعته بسرعة واندفاع، وكأنني ألقي بمعلومة خطيرة لم تخطر على باله:

"إلا شهرين! ناقص شهرين يا أبي!"

ابتسم من داخله، ابتسامة رجل حكيم وقال بحزم ناعم أذاب ثورتي:

"ولكنني سأقابله اليوم.. وأنت كأخوها ورجل البيت الثاني، يجب أن تقف بجانبي وتتعرف عليه."

أُسقِط في يدي، وتهاوت حصوني ولم أعلم ماذا أفعل. في ذلك اليوم، رأيت كافة الاستعدادات في البيت تسير على قدم وساق؛ تلميع الفضيات، ترتيب الصالون، ورائحة حلوى الضيافة التي تعبق في الأرجاء. كان هذا الاستنفار العائلي معناه الواضح كالشمس أن أبي وأمي قد قررا الموافقة المبدئية، وأن الزيارة تحصيل حاصل.

وعند السادسة مساءً تمامًا، حضر العريس. وعند السادسة والدقيقة الأولى، اكتشفت أنني كنت أعمى ولم أرَ الصورة كاملة! فتحت الباب بوجه متجهم مستعد للقتال، فرأيت شابًا أنيقًا يحمل في يده هدية "يرفض عقلي المليء بالغيرة تذكر ماهيتها حتى الآن"، ولكن المفاجأة الصاعقة التي ألجمت لساني لم تكن فيه، بل في السيدة التي تقف بجواره! إنها صديقة أمي المقربة من النادي! وتحمل نفس جنسية أمي الأجنبية! في تلك اللحظة بالذات، اتسعت عيناي، وصرخت في داخلي بمرارة طفل مهزوم:

"يا إلهي.. لقد حُبكت المؤامرة! حتى أمي تآمرت عليّ في هذه الزيجة!"

مرت السنون، وصراحةً، وباعتراف خالٍ من المكابرة، كان هذا الشاب رائعًا بكل المقاييس. رجلًا شهمًا استطاع أن يحتوي غضبي المراهق حتى أننا صرنا أصدقاء مقربين جدًا إلى اليوم. وأثمر هذا الزواج، وصرت أنا خالاً لأربعة أطفال رائعين هم كل حياتي ونور أيامي الآن.

أنا أكتب هذه الذكريات اليوم لأقول حقيقة قاسية أدركتها بعد نضج:

في بعض الأحيان، الحب يمكن أن يكون مدمرًا للشخص الذي تحبه. أنانيتك في الاحتفاظ بمن تحب وتكبيله بجوارك خوفًا من فراقه، قد تعادل في ضررها أشد درجات الكراهية. رغبتك في إفساد حياته وسعادته فقط ليبقى أمام عينيك وتحت ناظريك هي جريمة نرتكبها باسم الهوى. فاحترسوا من هذا النوع من الحب التملكي، الذي يمكن أن يتنكر في عدة وجوه ويخترق علاقاتنا المختلفة ليخنق مَن نحب تحت دعوى الخوف عليهم.

أشهق بقوة، وأصحو من خواطري، لأجد نفسي جالسًا على ذات الطاولة... وحيدًا. أنظر حولي إلى كراسي صامتة، فارغة من أصحابها. الصمت يطعن أذني، ورغم الفراغ الموحش، أقسم أن رائحتهم ما زالت موجودة، أشمها في ذرات الهواء؛ عطر أبي، عبق طعام أمي، ورائحة بيت كان يومًا ينبض بالونس.

لقد اختفت العائلة. تفرقت بنا السبل، وابتلعتنا الأيام والمطارات. فرحمة الله ومغفرته على من رحل.

ويا إلهي.. كم أنا مشتاق. مشتاق حد التمزق، حد البكاء. مشتاق لأختي التي تفصلني عنها الآن خرائط وأطلس حقيقي، مشتاق لضحكتها، لروحها، وأتمنى لو ينشق هذا الصمت فجأة، لتطل من باب الغرفة بلهفتها القديمة، وتنظر إليّ بعينيها الواسعتين وتقول لي:

"هيا يا هنري... بسرعة، اكتب لي قصة قصيرة". هنري ماكسويل