بقلم هنري ماكسويل
في عصر يوم خريفي، وبينما تودع شمس الأصيل حي "المنيل"، صعد "حسين" ذو الاثني عشر ربيعًا درجات السلم لعمارتهم. كان يجر خطاه التي أثقلها اليوم الدراسي، وما إن دفع باب الشقة حتى ضربته رائحة لا يخطئها قلبه أبدًا؛ رائحة الكولونيا التي يعرفها جيدًا. لقد أتى الجد.
في صدارة الردهة، وعلى الأريكة الخشبية، كان يجلس "عبد الفضيل". لم يكن مجرد شيخ يزور أحفاده، بل كان تجسيدًا لمعنى "الرجل" القوي، وكلمته ميثاق غليظ لا يتزعزع. إذا وعد أوفى، وإن عاهد صدق. كان حسين يرى في جده الملاذ الآمن، والنقيض التام لأبيه، ذلك الموظف الذي ابتلعته دوامة الحياة، فصارت وعوده لابنه منقوصة، تذروها رياح الأعذار والمشاغل اليومية.
كان الجد يجلس في جلال، يرتدي جلبابه الصعيدي الفضفاض، وتعلو رأسه تلك العِمَّة البيضاء. لم يكن وحده كالعادة، بل رافقه ابن عم حسين "محمد"، الذي يكبره بعام واحد فقط، غير أنهما كانا روحين في جسد، تجمعهما ألفة وشقاوة متناغمة. كان محمد منشغلًا في الزاوية، يفرغ الزكائب والحقائب المحملة بخيرات الجنوب؛ من طيور حية، إلى خضروات طازجة، وحتى تلك القدور المحملة بأكلات مطبوخة أعدتها نساء العائلة بحبٍ لا يعترف بالمسافات.
بفرحة غامرة ألقى حسين حقيبته، وارتمى في أحضان جده. ضمه عبد الفضيل إلى صدره في عناق طويل، ثم أجلسه بجانبه. وحينئذٍ، التمعت في عيني الجد ميدالية حمراء زاهية تتدلى على صدر الصبي. أمسكها بطرف أصابعه المجعدة، وسأل بصوته الرخيم:
"ما هذا النيشان يا بطل؟ أوسمة الحكومة وصلت لمدارس العاصمة؟"اعتدل حسين في جلسته، ونفش صدره كطاووس صغير، وأجاب وعيناه تتراقصان بزهو بريء:
"يا جدي أنا دايمًا بطلع الأول. والسنة دي جالنا مدرس عربي جديد، راجل طيب قوي، وهو كمان مشرف الدور بتاعنا. قالي إني غالي عنده لأني بفكره بحفيده، وعلشان أنا بطلع الأول دايمًا في المدرسة، هو اللي علق لي الميدالية دي الصبح قدام الطابور كله!"ابتسم عبد الفضيل، وقال وهو يتأمل وجه حفيده:
"ونعم الأستاذ ونعم التلميذ يا ولدي، طيب، هو الأستاذ ده علمك إيه؟"رد حسين بابتسامة تفيض عذوبة وذكاء:
"علمني إننا لما نكتب جملة ونخلص المعنى، لازم نكتب نقطة، ولازم نبتدي من أول السطر جملة جديدة خالص، ويبقى اسمها، "نقطة ومن أول السطر."تلاشت ابتسامة الجد ببطء لتحل محلها نظرة غائرة في بحر من الذكريات، وكأن جملة الصبي العابرة قد أيقظت شيئًا في وجدانه. ردد العبارة بين شفتيه وهو يهز رأسه:
"نقطة، ومن أول السطر."ربت على ظهر حسين، كأنما يدرك أن الصبي قد نطق بحكمة تفوق عمره. ولم يترك حسين هذه اللحظة تمر، فاقترب أكثر وسأل جده بفضوله المعتاد:
"وإيه حكاية اليوم يا جدي؟ عندك حكاية جديدة؟"تنهد عبد الفضيل تنهيدة قصيرة، ونقل بصره بين حسين ومحمد الذي أنهى ترتيب الأشياء وجلس مقابلهما منصتًا. أسند الجد ظهره إلى الأريكة، وتقلصت ملامحه في جدية، وقال:
"طبعًا يا ولدي، بس حكاية النهاردة مش زي أي حكاية. دي حكاية حقيقية. إنت كبرت يا حسين، والميدالية دي بتقول إن عقلك وزن، واللي عقله يوزن، لازم يعرف أهله مين، وتاريخه إيه. علشان كده، لازم أحكيلك حكاية أبويا، اللي هو يبقى أبو جدك. الراجل اللي اسمه لوحده كان بيرج الجبل، حكاية سليمان الغول."اعتدل الجد في جلسته، وأسند ذقنه على قبضتي عكازه، تنحنح بصوته الرخيم، ثم انطلق يغزل تفاصيل الملحمة. "في بداية الأربعينات، لم تكن حارة "المماليك" مجرد حارة، بل كانت كيان بذاته. كان مدخلها الأوحد يصب في رحاب مسجد "السيدة زينب"، شوارعها الضيقة كانت تعج بتوليفة غريبة من البشر؛ يعيش فيها الفقر مع الثراء، وتتعايش فيها سطوة الجبروت مع انكسار الضعف. فوق الرؤوس، تشرئب المشربيات، تتوارى خلفها نسوة الحارة ليتبادلن أحاديث الصباح وأسرار البيوت. وفيها سوق؛ تتعانق فيه روائح العطارة وبخور الدراويش مع نداءات الباعة، وضحكات الأطفال. ومن قلب كل هذا، أشرقت شمس الحارة، "زبيدة".
ابنة عم "إمام". وجهها تجلى بدر في تمام إشراقه؛ أطاحت "زبيدة" بعقول رجال الحي، ورفضت كل من تقدم لخطبتها بكبرياء، لتطرح قلبها تحت أقدام الدكتور "إبراهيم"، ساكن الدور الأرضي وصديق والدها. لكنه، وأد عشقها المتوهج في مهده حين ربت على كتفها يومًا قائلاً: "أنتِ في مقام أختي". جملة واحدة كانت كافية لتذبح كبرياءها، وتتركها أسيرة لوعة صامتة تنهشها.
وعلى بُعد خطوات من لوعة "زبيدة"، كان عشق من نوع آخر يشتعل في دكان الخردوات، أنه "أحمد العايق". لم يسقط اللقب عليه من السماء؛ فقد ورث عن أمه، "التي لاكت الألسن حكاية زواجها من عسكري فرنسي في ماضٍ غامض"، بشرة شديدة البياض، وشعرًا أشقرًا، وعينين بلون السماء. كان العايق نشازًا جميلًا في الحارة؛ الوحيد الذي هجر الجلباب ليرتدي قميصًا وسروالًا، وفي إصبعه يلمع خاتم ذهبي ورثه عن أبيه. كان "العايق" حلم عذارى حارة المماليك وما جاورها. فهو حلو المعشر، دمث الخلق، لكن قلبه كان معلقًا بـ "زبيدة". ورغم أن أباها صده ورفض زواجه منها مراراً، إلا أن العايق رفض الاستسلام، فاعتزل النساء وتبتل في محراب عشقها كالراهب، يبيع الخيوط والأزرار، ويشتري الخيال.
كان هذا العالم يختل، حين تتجه صوب الزاوية، إلى مقهى "ليالي الأنس". في مفارقة مبكية مع اسمه، افترش الكراسي الخشبية أمام المقهى ثلاثة رجال بوجوه جامدة، بجلابيبهم الصعيدية، وفي قبضة كل منهم عصا غليظة، تكفي ضربة منها لتهشيم رأس من تسول له نفسه التمرد. في عيون أهل الحارة، لم يكن هؤلاء سوى عصبة من المجرمين، قتلة مأجورين، وخنجرًا مسمومًا مسلطًا على رقاب كل من يعصي إرادتهم. لكنهم في الحقيقة لم يكونوا سوى مخالب للوحش الأكبر، أشرس وأعتى فتوات السيدة زينب، الرجل الذي لا يُنطق اسمه إلا همساً."
توقف الجد "عبد الفضيل" للحظة، وانحنى بجذعه نحو حفيديه اللذين اتسعت أعينهما انبهاراً، وقال بصوت خفيض وعميق كأنه قادم من قاع بئر: "الفتوة سليمان الغول يا ولدي، ده يبقى أبويا أنا!"
ابتلع "حسين" ريقه في دهشة، بينما واصل الجد سرد الملحمة، وكأن جدران الشقة قد تلاشت، وحلت محلها أزقة حارة المماليك: "في تلك الليلة، خرج إمام وصديقه الدكتور "إبراهيم" قاصدين مقهى "ليالي الأنس". كان المقهى غارقًا في عتمة تثير الانقباض؛ طليت نوافذه بلون أزرق داكن، ولصقت على زجاجها أشرطة متقاطعة تحسبًا لغارات الحرب. وفي الخارج، افترش رجال "سليمان الغول" عتبات الظلام كذئاب تتربص بالفريسة، فآثر إمام وصديقه السلامة، واتخذا مجلسًا على طاولة قريبة من المدخل. كان "ليالي الأنس" مقهى في الصباح، وخمارة في الليل، تغسل الحارة فيها خطاياها. كراسيه من القش المجدول، وطاولاته الخشبية تحمل ندوب الأيام، وفي صدره تقبع أريكتان طاعنتان في السن.
إلى اليسار، كان المعلم "عتريس" تاجر القماش يجلس بصحبة "أحمد العايق"، يتجاذبان أطراف حديث ساخر، ترافقه دندنات شجية لمطرب الحي على عود متهالك الأوتار. وبلا مقدمات، انسل "العايق" من مجلسه واقتحم خلوة الرجلين، هبط على طاولتهما قائلًا بصوت أجوف: "كيف حالك يا إمام؟"
كانت رائحة الكحول الرخيص تفوح من فمه، محاولًا عبثًا إخفاءها بعطر نفاذ ينبعث من ثيابه. رمقه إمام بنظرة حادة، وسأله بضيق: "ماذا تريد يا عايق؟"
اتسعت ابتسامة العايق في لزوجة، ورد بنبرة تقطر تحديًا وغرورًا: "أنت تعلم جيدًا ماذا أريد. ولكنك لا تعلم أنني فوضت "الكبير" في هذا الأمر، وهو من سينطق بالحكم الأخير!" تركهم العايق وعاد إلى طاولته يتمايل سكرًا ونشوة بانتصاره. امتقع وجه إمام، وانسحب منه الدم تمامًا، ليدرك أن نذير شؤم يلوح في الأفق.
وفجأة، هبت رياح باردة، حملت معها صهيلًا غاضبًا وقرقعة عجلات عربة خيل تقترب بسرعة. كان الصوت يتصاعد بقوة. انتفض رجال سليمان في الخارج ووقفوا صفًا واحدًا كالعسكر، وتسمرت الأعناق وتعلقت الأبصار بالباب. لف المكان صمت كالموت، فلم يتحرك أحد قيد أنملة، واكتفى الجميع باختلاس النظر بطرف أعينهم المحتبسة بالرعب. توقفت العربة مخلفة شررًا متطايرًا من احتكاك عجلاتها بحجارة الطريق، وهبط منها "سليمان الغول".
نزل يقبض على عصا غليظة كأنها امتداد لذراعه، رمى المكان بنظرة حادة مسحت الوجوه المذعورة، قبل أن يلقي السلام، فانتفض المقهى عن بكرة أبيه، وارتفعت الأصوات ترد التحية في خضوع. كان وحشًا في هيئة إنسان؛ ضخم الجثة كجبل يتحرك. يرتدي جلبابًا فاحم السواد، وكشف عن رأسه بلا عمامة، ليظهر شعرًا كثيفًا. ملامحه خشنة، وعيناه لا تعرفان للخوف سبيلًا. برزت في أصابع يده اليمنى خواتم ذات فصوص سوداء، أما وجهه فكان وثيقة تاريخية لمعارك لا تمحى. مشى بخطوات ملك متوج لا يلتفت يمنة ولا يسرة، حتى استقر على طاولة كبيرة في نهاية المقهى. وفي لمح البصر، هرع إليه الصبي حاملًا الشيشة ترتعد في يديه. عب سليمان منها أنفاسًا متلاحقة، ثم نفث سحابة دخان كثيفة، وبصوت جهوري نادى: "يا إمام!"
نهض إمام بخطى ثقيلة وجلس بجواره. بدآ يتجاذبان الحديث بصوت خافت كفحيح الأفاعي، ثم ما لبثت وتيرة الكلام أن تصاعدت، واحتدم نقاش خافت، انتهى بأن ضرب سليمان بيده على الطاولة منهيًا الحوار بكلمة حاسمة دوت كحكم إعدام: "مبروك يا إمام!" وقف إمام مطرقًا برأسه، يبتلع إهانة وعجزًا يمزقان رجولته، وعاد ليجلس أمام صديقة بأنفاس متسارعة وصدر يعلو ويهبط. وفي تلك اللحظة، نهض سليمان الغول بطوله الفارع، وبصوته أعلن على الملأ زواجه من "زبيدة" ابنة "إمام" بعد أسبوعين!
بُهت المقهى بمن فيه، جحظت العيون، وحُبست الأنفاس في الصدور. لم يعد في الوجود صوت سوى رنين ارتجاف ملعقة الصبي داخل كوب الشاي الزجاجي. ومن وسط هذا الخرس الجماعي، شق الفضاء صوت متشنج يصرخ بهستيريا: "هذا افتراء! هذا لا يرضي الله! هذا يكفي!" كان "أحمد العايق"، الذي أطاحت الخمر ببقايا عقله فاعترض على إرادة الغول.
تضاعف التوتر حتى كاد الهواء أن يشتعل. ابتعد الناس عن العايق كأنه مصاب بالطاعون، ليتركوه وحيدًا في منتصف المقهى. تطاير الشرر من عيني سليمان، ورفع عصاه الغليظة ليهوي بها على الأرض بضربة كادت تشق البلاط، وانحنى للأمام مستندًا عليها بكلتا يديه، وصاح بصوت أخرس العروق: "أنت بتتحداني يا عايق؟!"
كانت نظرة الغول كافية. تبخرت شجاعة الخمر الكاذبة، وخارت قوى العايق، ولم يحتمل جسده الرعب فبال في سرواله أمام أعين الحارة قاطبة. وبإشارة واحدة من إصبع سليمان، انقض رجاله عليه ككلاب صيد جائعة، حملوه كخرقة بالية، وألقوا به في عرض الطريق، بعد أن صدر الحكم العرفي النافذ: "الطرد الفوري من الحي، مجردًا من دكانه، ومتعلقاته، وحتى ماله!"
وقف سليمان يتقبل تهاني المنافقين بزهو، بينما كان إمام يتقبلها بانكسار. كان في حالة مزرية تدمي القلب، واحتار إبراهيم؛ هل يمد يده ليهنئ صديقه هربًا من بطش الفتوة، أم يربت على كتفه ليواسيه؟ إلا أن إمامًا كان رجلًا صلبًا، سرعان ما استجمع شتات نفسه، ورسم على شفتيه ابتسامة شاحبة مغلفة بألم عميق. مال إبراهيم نحوه وهمس في أذنه بمرارة: "لماذا لم تعترض؟ هذا البلد به قانون!"
نظر إليه إمام بعينين غارقتين في اليأس، ورد بصوت يقطر موتًا: "أي قانون تتحدث عنه؟ هنا، قانون سليمان فقط." ثم ارتجف صوته، وانكسرت نبرته وهو يتابع همسه المخنوق: زبيدة تستحق من هو أفضل من سليمان، إنها لو علمت بما حدث لأقدمت على الانتحار. هذا "العايق" أراد الزواج منها، ولما يئس من رفضي، استجار بسليمان. ولما ناداني الغول، أخبرني ببرود أنه لا يقبل أن يتزوج هذا الخردواتي من زبيدة، وأنها تستحق الأفضل، وكان يرى نفسه "الأفضل"! حاولت الاعتراض، توسلت إليه، لكن دون جدوى، فبادر بإعلانها على الملأ ليضعني أمام المشنقة. وأنا لم أجرؤ على مواجهته، خوفًا على زبيدة.
تابعت العيون المقهورة سليمان وهو يغادر المقهى محاطًا بحاشيته، وقد زادت الخمر والمخدرات من احتقان عينيه فأصبحتا كبركتي دم. وما إن غادر، حتى تعالت همهمات الجالسين تتلو آيات المواساة: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، "شد حيلك يا إمام". ضاق إبراهيم ذرعًا بهذا المستنقع، فحاول النهوض مغادرًا، لكن إمامًا أمسك بمعصمه بشدة، استوقفه وعيناه تبرقان بأسى المدركين، وقال بصوت مثقل بالهموم: "أعلم أنك حكمت بضعفي، ولكن يجب أن تؤجل النطق بالحكم، حتى تعرف قصة سليمان من البداية."
أخذ إمام نفسًا عميقًا، وأسند ظهره المتعب إلى الكرسي، وقال لصديقه: كان سليمان الذكر الوحيد على ثلاث إناث، لم يعش منهن إلا واحدة. نشأ صبيًا منطويًا على نفسه، من دون تعليم يذكر إلا خمس سنوات قضاها في كتاب القرية. أرسله أبوه ليعمل صغيرًا في جني المحصول، ومعه عائشة صديقة أخته، والابنة الوحيدة لجارهم عبد المقصود، ناظر أطيان "عطية السبع"؛ التي تعجز الخيول عن قطع أراضيه في يوم واحد. تراوحت أعمارهم حينها ما بين تسع إلى عشر سنوات. كانوا يذهبون للحقل جنبًا إلى جنب، ومع الأيام، كانت عائشة تبادله النظرات، وتحثه بعينيها على الاقتراب. شيئًا فشيئًا، ومع تعاقب السنين، وقع سليمان وعائشة في الحب.
تقدم للزواج منها، فحددوا العرس بعد ثلاثة أسابيع، وتحديدًا في الخميس الأول من الشهر. ومكافأةً لناظر أطيانه، أمر عطية السبع بإقامة العرس في مجلسه الخاص وعلى نفقته الخالصة، على أن يدعو عبد المقصود وسليمان كل أهل القرية. اغتبط الجميع شاكرين المحسن الكبير، وانهمكوا في الإعداد، ومنعوا سليمان من رؤية حبيبته حتى اليوم المنشود.
كان مساءً رائعًا، والأعيرة النارية تنطلق من أرض عطية ابتهاجًا. فارتدى سليمان وعائلته أبهى ما عندهم، وهو ليس بكثير، ووضع عمامته البيضاء، وألقى الشال على كتفه، وترجلوا إلى المجلس. لكن الطريق كان مثقلًا بالنذر. تجنب الناس النظر إليهم أو حتى تحيتهم من دون سبب معلوم، وازداد الغمز واللمز حولهم. وعند وصولهم، استقبلهم رجال عطية بضحكات فجة تفوح منها الشماتة، واستقبلتهم النساء بحسرة في عيونهن لم يرها من قبل.
العيون لا تكذب أبدًا. أحس سليمان أن هناك خطبًا ما لا يعلم عنه شيئًا. فانطلق يقفز الدرجات إلى المجلس، فابتعد الناس عن طريقه، فرأى آخر شيء يتوقعه. رأى عطية السبع وقد احتل مكانه! جلس العجوز على مقعده يتلقى التهاني بترحاب، وعبد المقصود يقف ناظرًا له في تحد. فسأله سليمان عما يحدث، فكان الرد البارد كصفعة الموت: "الزواج قسمة ونصيب."
لم يصدق أذنيه. شعر أن العالم يختفي ويتبخر من أمامه. فهذا "السبع" لديه من الأموال والنفوذ ما يستطيع به أن يتزوج أية فتاة بالقرية، فلماذا يختار حبيبته التي أحبها منذ صغره؟ فهو لا يعرف شيئًا عن عائشة؛ لا يعرف ماذا تحب أو ماذا تكره، لا يستطيع أن يضحكها أو يبادلها حبًا بعشق، فهو يكبر والدها عمرًا! ركض لمجلس النساء كالمجنون، فأوقفه رجال عطية، ناصحين له بالعودة مع مكافأة مالية! فغادر وسط ضحكات الرجال المجلجلة واستهزاء النساء. عاد مع أهله وهو ذليل لا يقوى على النظر لإنسان. شعر أن الكون بأسره يسخر منه؛ الحيوانات، الطيور، وحتى الجماد. اندفعت الدماء تغلي في رأس العاشق المطعون، فمنذ هذه اللحظة سيصبح أضحوكة القرية كلها.
أجلس عائلته في بيت احتله العار، وأحضر فأسه وركض خلف المنزل. ضرب الأرض غاضبًا عدة مرات، قبل أن يخرج رشاش أبيه، وجلس يعده في العتمة لاستعادة كرامته وكرامة أسرته المهدرة. مد الخطى للمجلس. كان الجميع هناك يغنون ويتمايلون بصحبة شوقية الغازية. فوقف خلفهم ينظر لعطية من دون أن يوليه أحد اهتمامًا. وما إن بدأ بإطلاق الرصاص، حتى تساقطت الجثث كالذباب. بدأ أولًا برجال السبع، ثم الضيوف المؤيدين من أهل القرية، وانتهى المشهد الدموي بعطية وعبد المقصود راكعين أمامه في مذلة ومهانة، مستجدين الرحمة والغفران بدموع الخوف. فأنعم عليهم بثلاثين رصاصة اخترقتهم، ثم أغرقهم بصقًا، وكل هذا أمام عيني شوقية الغازية المرتعدتين.
تراوحت أعداد الجثث في تلك الليلة ما بين سبعين إلى ثمانين جثة. أباد سليمان في هذا اليوم رجال عائلات بأكملها، لم ينج منهم إلا عبد الله ابن عطية السبع. ثم توجه بعد ذلك لمجلس النساء، اللاتي انكمشن محتضنات بعضهن البعض، والخوف والهلع يقفزان من عيونهن كأرانب مذعورة، إلا عائشة، الواقفة في فستان عرسها. فنظر إليها، ونظرت إليه، وتحدثت العيون بألف لغة. عاتبها بنظراته، فقالت له بدموعها إنها أجبرت من أب متسلط يحب المال حبًا جمًا، ولم تحز بحق الاختيار. استدار سليمان قبل أن يذهب، ونطق بكلمته التي صارت دستورًا: "عائشة لي منذ اللحظة، ومن يجرؤ على الارتباط بها أو حتى يفكر بحبها، سيلحق بعطية!"
ثم نظر إليها نظرة أخيرة تفيض حبًا ودمًا، قائلًا: "سأعود إليك". اختفى مع عائلته في جوف الليل من دون أثر، ولم يعلم أحد إلى أين ذهبوا. رفض أهل القرية اتهامه أمام الشرطة أو تقبل العزاء، آملين في الثأر منه يومًا ما، وخاف الجميع من بطشه، فلم يجرؤ مخلوق على الاقتراب من عائشة.
أما شوقية الغازية، فقد طارت بالخبر وقصت الحادث للنجوع والقرى. ومنذ ذلك الحين، أطلق أهل الصعيد لقب الغول على سليمان. رددت الألسنة: "الغول قتل السبع يا أولاد"، ضاربين به الأمثال. وتغنى المنشدون بسيرته؛ كبطل رفض القهر والذل، وكعاشق انتصر لحبه. أنشدوها في المجالس، والأعراس، والموالد، وأصبحت قريته منذ ذلك اليوم الدامي، تعرف باسم، قرية سليمان الغول. صمت إمام، وتعلقت عيناه بسقف المقهى، ثم التفت لإبراهيم وقال بصوت مهزوز: "هذا هو سليمان الغول يا صديقي، فهل تلومني الآن إن خفت على ابنتي من غول أباد قرية بأكملها ليلة زفافه؟"
مرت الأيام مثل لحظة عابرة، وفي الموعد المحدد، تزينت الحارة، وارتدى أهلها أبهى ثيابهم، فارتفعت الأعلام، ودهنت الجدران، ونثرت الورود احتفالًا بزفاف سليمان. في هذه اليوم، كان الدكتور "إبراهيم" عائدًا من عمله، فرأى فوهة بندقية خلف جدار مصوبة نحو صدر سليمان. نظر حوله فوجد قطعة خشبية، حملها وتقدم بحذر خلف مقنع غطى وجهه بشال لا يظهر سوى عينيه. شد الرجل قبضته، وضغط الزناد، فانطلقت الرصاصة! انفجرت الدماء من رأس الرجل كشلال وتناثرت في المكان. صرعه إبراهيم بضربة واحدة، ففقدت رصاصته هدفها لتستقر بعمود إنارة خلف سليمان بأمتار قليلة.
هرع أهل الحارة وسليمان لموقع الرجل. أزاح أحدهم اللثام عن وجه القتيل فصاح سليمان: "هذا عبد الله بن عطية!" ثم نظر لإبراهيم ووضع يده على كتفه قائلًا: "أحسنت صنعًا يا دكتور." واستدار مشيرًا لأحد رجاله رافعًا يده للحشد قائلًا: "اسمعوني! "صميدة" هو من قتل الرجل!" نظر الجميع لبعضهم بتردد، فصاح سليمان بلهجة متحدية: "أليس كذلك؟" فانطلقت الحناجر بالتأييد، فطلب سليمان من الطبيب العودة لمنزله لتغيير ملابسه.
بعد نصف ساعة طرق سليمان باب الطبيب وجلسا معًا. أشعل سيجارة مطرقًا شارد الذهن، كأن شيئًا يجثم على صدره، ثم رفع رأسه: "ما طلباتك يا دكتور؟" لم يفهم إبراهيم المغزى فهز رأسه، فأكمل سليمان: "إنقاذك لحياتي دين علي سداده، فما طلباتك؟" أدرك إبراهيم أن سليمان يريد التحرر ونفض ثقل الدين، فنظر بعينيه وقال: "اترك زبيدة يا سليمان فهي ليست لك، لن تستطيع إجبارها على حبك، لكنك تستطيع كسب احترامها وتقدير أهل الحارة."
"كيف تطلب هذا؟ أهل الحارة يقدرونني، وماذا عن هذه الاحتفالات؟ كيف أطلب منهم العودة لمنازلهم؟" قال إبراهيم: "أرجوك عاود التفكير". سكت مطرقًا لدقائق، قبل أن يعلن تأجيل الزواج لشهرين، ليعطي زبيدة فرصة لاكتشاف شخصيته الحنونة على حد قوله، كأقصى ما يستطيعه. لم يستطع إبراهيم إثناءه، فهبطا للحارة، ووقف سليمان وسط الحشد معلنًا تأجيل الزفاف لشهرين، وطالبهم بالعودة لمنازلهم شاكرًا حضورهم. فجأة علا صوت من الخلف: "زفاف مين يا سليمان اللي بعد شهرين؟" التفت سليمان صوب الصوت بحدة، فتجمد مكانه وتدلى فكه، ونظر لصاحبة الصوت كمن يرى طيفًا مألوفًا، ثم قال بصوت خافت حنون لا يليق به: عائشة؟
خفق قلب سليمان وأفاق من سباته. توقف كل شيء؛ الصوت والحركة، الدقائق والثواني، توقف الزمن، وتأرجحت العيون بين سليمان وعائشة والجميع يكتم أنفاسه. لم تجبه، بل تقدمت نحوه صامتة عابسة. امرأة جميلة، طويلة، واسعة العينين، بلفحة من شمس الصعيد على بشرتها. يومها عاد سليمان لسابق عهده، عاد سليمان العاشق. قتلت عائشة الغول داخله وانتصرت بنظرة واحدة. وقف أمامها لا تفارقها عيناه غير عابئ بالناس. بدا أهل الحارة كتماثيل خشبية، ظنوا قصة سليمان سيرة شعبية لا ترقى للحقيقة، فإذا بها حقيقة أقرب للخيال.
تفحصت النساء عائشة من المشربيات. فجأة أطلقت زبيدة زغرودة طويلة، ردت عليها من الجهة المقابلة أخرى كصدى الصوت، فتوالت الزغاريد تملأ السماء حتى سمعت من خلف مسجد السيدة. تقدم أهل الحارة مهنئين، ودارت أكواب الشربات مجددًا. فجأة نظر سليمان لرجل يقف قرب عائشة فأشار إليه بحدة: "ما الذي أتى بك إلى هنا؟ ألم آمرك بالرحيل نهائيًا؟" نظر الجميع للرجل الواقف متماسكًا يرمق سليمان بتحد لم يسبقه إليه أحد.
وقفت عائشة بجانبه في وجه سليمان قائلة: "ما بالك به يا سليمان؟ هو من أحضرني هنا." بنظرات مرتابة ونفوس مترددة، تندر أهل الحارة ضاربين كفًا بكف وهم يشاهدون أحمد العايق يتحدى سليمان مجددًا، حتى شرع بعضهم يقرأ الفاتحة على روحه. خيم الصمت مستمعين له. أقسم أنه قرر استعادة محبوبته منذ طرد كرهًا، فباع خاتمه الذهبي، واستقل القطار للصعيد.
جاب المدن والقرى والنجوع بلا ملل، يسأل عن عائشة فلا يجد سوى إجابة مغلفة بالخوف: "لا نعلم". جافاه النوم عشرة أيام وتسع ليال، غفا بالقطارات والعربات وعلى ظهور الدواب، حتى خارت قواه ووهنت عزيمته، فقرر العودة لمواجهة سليمان ولو كلفه حياته. في اليوم العاشر، يائسًا موقنًا أن سيرة سليمان محض خيال، جلس مهمومًا بمحطة القطار. تغفو عيناه فتسقط رأسه، وينتفض مقاومًا. فعلها مرتين قبل غوصه بسبات عميق. استيقظ على صوت منشد كأنه قادم من بئر سحيقة. استمع بكل حواسه، ثم انتفض كملدوغ؛ ثمة كلمة لا يخطئها تتكرر، الكلمة التي انتظرها: "سليمان الغول".
ضربه الأمل وتفجر نشاطه. طارد الصوت، فأخبره ناظر المحطة أنه مولد سيدي الإدريسي. طوى الأرض كفرس بري، فوصل محيط مسجد ممتلئ بالزينة والخيام، ورجال من كافة قرى الصعيد. علا الغناء من خيمة مكتظة تشاهد عازفين ومنشدًا بمسرح صغير. وكم كانت فرحته عظيمة برؤية شوقية ترقص! وافقت على مساعدته مقابل خمسة جنيهات. ادعى أنه رسول سليمان للبحث عن عائشة، وأنه أتى من السيدة ليعودا بالصباح. قررت ترك المولد مقابل جنيهين آخرين، وقادته عبر الحقول حتى وصلا أرض عطية السبع. أجلسته بمقهى لتعود بعائشة، التي استقبلتها بترحاب حذر، فما من إنسان يقترب منها منذ الليلة المشئومة.
تحدثت شوقية بثقة محت شكوك عائشة، فأحضرت حقيبتها المعدة منذ خمس سنوات لهذه اللحظة. ارتبكت شوقية من سرعتها، متحججة بلقاء صديقة قبل الرحيل. تاريخ شوقية لا يخلو من الخيانة، لكنها هذه المرة خيانة تقطر جشعًا وانتقامًا. توجهت لمنزل عطية السبع المكبل برغبة الثأر، قابلت عبد الله، وطلبت ألف جنيه مقابل رأس سليمان، فأعطاها إياها بلا تردد، وأعد عدته وسافر فورًا للقاهرة، حتى قتله إبراهيم قبل أن يقتل سليمان. هنا، التف أهل الحارة حول العايق مهنئين، وحضر إمام معلنًا قبوله زواج ابنته من أحمد العايق.
خيم على الغرفة الصمت بعد أن أنهى الجد ملحمته، أسدل جفنيه ثم فتحهما ليرمق حفيديه بنظرة ثاقبة. مسح بيده على لحيته، وقال بصوته الرخيم: "طبعًا أنا لم أحك لكم هذه الحكاية للتسلية، بل لتعرفوا تاريخ جدودكم والعائلة.. ولتدركوا أن نيران الثأر لا تموت."
"لسه في ناس عاوزه تأذينا وياخدوا بالثأر."اقترب الجد منهما أكثر، وخفض صوته كمن يبوح بسر خطير يهدد الأرواح: "وخصوصًا حفيد عطية السبع، الراجل ده بيبحث عنا في كل مكان، واسمه فتح الله، فخدوا بالكم."
ابتلع حسين ريقه بصعوبة بالغة، ثم سأل بلهفة يمتزج فيها الفضول بالخوف: "وإحنا نعرفه إزاي يا جدي؟"
أدخل الجد يده الخشنة في جيب جلبابه الداخلي، وأخرج صورة فوتوغرافية، ودسها بين يدي حسين ومحمد، وقال: "هو ده فتح الله."
وقعت عينا حسين على الصورة، فشهق بصوت يقطر رعبًا وهو يتحسس ميداليته: "ده الأستاذ فتح الله، مدرس العربي الجديد!"
نقطة ومن أول السطر.