آسف حبيبتي

بقلم هنري ماكسويل

"آسف حبيبتي… أكملي أنتِ الرواية."

أنا لا أكتب لأن لدي ما أقوله، بل لأن الكتابة هي الشيء الوحيد الذي ما زال يربطني بالحياة. ولو أنصتُّ يومًا لصوتي الداخلي كما ينبغي، لانتحرت منذ زمن بعيد.

بعد أن تفرقت عائلتي في أنحاء العالم، وبقي كل واحد منهم في قارة، أو مدينة، أو حياة لا تشبه الأخرى، لم يبقَ لي إلا وحدتي. ثم جاءت هي… المرأة التي لم أحب في حياتي سواها حقًا. لم تكن زوجتي فقط، بل كانت دمي الذي يسري في عروقي، ومرآتي التي أرى نفسي فيها. كانت تكبر معي، وتتشكل في داخلي، حتى إنني كلما وقفت أمام المرآة شعرت أن ملامحها قد انطبعت على وجهي، وأنني أحمل شيئًا منها في نظرتي، وفي صمتي، وفي انكساري.

ثم ماتت. ماتت وبلا سبب واضح، وهي نائمة إلى جواري في هدوء كامل، كأنها لم تمت، بل قررت فقط أن تصمت إلى الأبد. ناديت عليها مرارًا، هززت كتفها برفق أولًا، ثم بذعر، لكنها لم ترد. وحتى الآن، لا أفهم كيف حدث ذلك وأنا نائم إلى جوارها. كيف عبر الموت من بيننا، ولم أشعر به؟ وكيف لم أستيقظ في اللحظة التي كان ينبغي أن أستيقظ فيها؟ أليس هذا هو دوري؟ أليست هذه هي مهمتي تجاهها… أن أحرص على سلامتها؟

منذ تلك الليلة، وأنا أحاسب نفسي بلا رحمة. هربًا من كل ركن في البيت يذكرني بها، نقلت كل تفاصيل حياتي الرثة وما تبقى من أنفاسي إلى غرفة مكتبي المعزولة. أغلقت بابها عليّ، محتفظاً بقطتي "كايرو" معي لتؤنس وحدتي. لم أكن بحاجة للخروج أبدًا، فالغرفة كانت مجهزة بحمام صغير ومساحة تكفي لانعزالي التام عن ذلك البيت الذي صار موحشًا وقاتلًا بدونها.

أغمضت قلمي حدادًا عليها. مر يومان كاملان وأنا أريد أن أرثيها، أحاول مرارًا أن أكتب كلمات تليق بفداحة فقدها، لكن الأفكار كلها كانت تهرب مني كطيور مذعورة. كان قلمي يذرف دموعًا لا حبرًا، وكل جملة أبدأها تتحول إلى غصة، وكل سطر يتعثر عند اسمها، أو عند الفراغ الذي تركته. يومان كاملان وأنا لا أكتب شيئًا، أجلس إلى مكتبي، تلتف حولي الأوراق البيضاء كأنها أكفان صغيرة، حتى قررت أخيرًا ألا أكتب رثاءً، بل أن أكمل الرواية التي كانت تحبها وتلح عليّ دائمًا لإنهائها. قلت لنفسي لعل كلماتي في قصتها المفضلة تصل إليها حيث هي.

في تلك الليلة، جلست إلى مكتبي. كانت "كايرو"، نائمة تحت قدمي كعادتها، كرة صغيرة من الفرو والدفء، فيما كانت الساعة المعلقة على الحائط تلوك الثواني ببطء متعمد.

وضعت أصابعي على لوحة المفاتيح، وبعد تردد طويل كتبت:

"عند الواحدة بعد منتصف الليل، سمع الكاتب طرقة خافتة على باب شقته."

وما إن انتهيت من النقطة الأخيرة، حتى جاءني الصوت.

لم تكن طرقة خافتة من وحي الرواية. كان صوت مفتاح حقيقي يدور في قفل الباب الرئيسي للشقة بالخارج!

تجمدت يدي فوق المفاتيح. ارتفع صوت طقطقة المزلاج، يليه صرير الباب وهو يُفتح ببطء، ثم وقع خطوات مثقلة، وصوت عجلات "حقيبة سفر" تُجر بثقل على أرضية الصالة.

حقيبة سفر؟!

رفعت "كايرو" رأسها من تحت قدمي، انتصبت أذناها، ولم تقفز فزعًا، بل انطلقت خارج الغرفة باتجاه الصالة، تمسح جسدها بمن دخل وتطلق مواءً خافتًا أقرب للأنين الملهوف.

نهضت من مكاني ببطء. قلبي يدق بعنف يكاد يحطم أضلعي. مشيت نحو باب المكتب الموارب بخطوات حذرة، وتوقفت عند العتبة متواريًا في العتمة.

وهناك... كانت هي.

وقفت متسمرًا. انقطع الهواء عن رئتي. كانت تترك حقيبة سفرها الكبيرة بجوار الباب، وتخلع معطفها ببطء شديد. هي... بلحمها ودمها! لم تكن طيفًا شفافًا، بل حقيقة دامغة تتنفس في منتصف صالتي. حقيبة سفر؟ من أين عادت؟ لابد أنني في حلم. أم أن عقلي انشطر في يومين من العزلة؟ كيف تعود من الموت محملة بالحقائب؟

أردت أن أندفع نحوها، أن أضمها حتى تنكسر أضلاعنا، أن أصرخ باسمها. لكن خوفًا غريزيًا ألجمني. لو ظهرت أمامها فجأة بعد يومين من موتها، سيتوقف قلبها المنهك من الصدمة. هذا مستحيل، الموتى لا يعودون هكذا يحملون حقائب السفر! يجب أن أتمهل وأستوعب ما يحدث.

لكن… يا إلهي، ماذا حدث لها؟

حين استدارت ووقع ضوء المصباح على وجهها، سقط قلبي. لم تكن "هي" التي أعرفها قبل يومين. وجهها الذي كان يشع بالحياة بدا متعبًا بشكل مروع، شاحبًا ومطفأً. عيناها غائرتان تحيط بهما هالات سوداء عميقة، وهناك انحناءة خفيفة في كتفيها وكأنها تحمل فوقهما جبلًا من الحزن. هي لم تكن كذلك من قبل أبدًا! ما الذي حدث لتشيخ وتذبل هكذا في غضون ثمان وأربعين ساعة فقط؟

تقدمت هي بوهن نحو منتصف الصالة. "كايرو" تدور حول قدميها، وهي تنحني ببطء لتربت على رأسها بابتسامة باهتة لا تصل إلى عينيها.

ثم… رن هاتفها. أخرجته من جيب معطفها بيد ترتجف. ردت بصوت خافت، أجش، وكأن حنجرتها مجروحة من كثرة البكاء:

"أهلًا سارة… نعم، لقد وصلت للتو. الشقة باردة جدًا."

صمتت لتستمع لصديقتها، ثم أغمضت عينيها، وانزلقت دمعة حارة على خدها الشاحب، وأكملت بنبرة يمزقها الشجن:

"أعرف يا حبيبتي... أعرف أنه مر شهر كامل على وفاته، وأعرف أن بقائي عند أهلي طوال هذا الوقت كان ضروريًا لأستوعب الصدمة... لكنني لم أستطع البقاء هناك أكثر، كان يجب أن أعود إلى هنا... إلى رائحته. أعرف أن الحياة يجب أن تستمر وأنني يجب أن أخرج من محنتي... لكن كيف؟ كيف أكمل حياتي وهو ليس معي؟ كل زاوية في هذا البيت تذكرني به. أراه جالسًا في مكتبه يكتب، لا أستطيع أن أتخيل غيره بقربي… لا أحد، أبدًا."

كلماتها ضربتني كالصاعقة، شلت حركتي تمامًا.

شهر كامل؟! وفاة مَن؟! أي شيء تتحدث عنه؟ أنا دخلت مكتبي هذا منذ يومين فقط!

وعن من تتحدث وصديقتها تواسيها؟ أنا هنا! أنا أقف على بعد خطوات منها. لماذا تتحدث عني بصيغة الغائب؟ ولماذا تبكي هي فراق شهر كامل وأنا لم أبتعد عنها سوى جدار واحد؟

دارت الغرفة بي. تحركت خطوة خارج الظل، مددت يدي نحوها:

"حبيبتي..."

همست بصوت أردته أن يهز الجدران. لكنها لم تلتفت. لم ترمش حتى. سارت مخترقة المسافة بيننا لتضع هاتفها على الطاولة، بل… أقسم أن كتفها مرّ عبر صدري دون أن تشعر بوجودي!

تراجعت بهلع. نظرت إلى يدي، كانت باهتة. نظرت إليها، كانت تقف الآن أمام الجدار الرئيسي للصالة. الجدار الذي كانت تتوسطه دائمًا صورتها التي وضعتها حدادًا عليها بعد أن ماتت.

لكن الصورة التي تتوسط الصالة لم تكن لها.

اقتربت ببطء قاتل، أجرّ قدمي. نظرت إلى الإطار...

لقد انقلبت الصورة لتصبح صورتي أنا! صورتي أنا مبتسمًا، ويقطع زاويتها العليا شريط أسود. شريط الحداد.

يا إلهي... كيف هذا؟!
الصورة صورتي. الشريط الأسود لي. العزاء الذي أقيم منذ شهر كان لي!

انهارت جدران وهمي، وتمزقت غشاوة الزمن كستارة ورقية. الليلة المشؤومة… لم تكن هي التي صمتت إلى الأبد. كنت أنا من استيقظ ممسكًا بصدري، أختنق في صمت، أحاول إيقاظها، لكن الموت كان أسرع. أنا من مات في تلك الليلة! هي من صحت مذعورة في الصباح، هي من هزت كتفي برفق أولًا، ثم صرخت بذعر حين لم أرد، وهي من انهارت واضطرت للسفر إلى أهلها شهرًا كاملًا لتستوعب فاجعة رحيلي المفاجئ، وعادت اليوم تجر حقيبتها المليئة بالحزن.

وأنا؟ أنا كنت الطيف العالق في غرفة المكتب. الروح التي توقف بها الزمن عند لحظة الموت، فظنت الشهر يومين، وظنت العزلة حدادًا، بينما كنت في الحقيقة مجرد بقايا روح ترفض الرحيل.

جلست هي على الأريكة، سحبت ألبوم صورنا، وفتحته على صورتنا معًا. سقطت دمعة منها على الورق. ضمت الألبوم إلى صدرها بقوة وكأنها تحاول إدخاله بين أضلعها، وأجهشت بالبكاء. بكاء مكتوم، يمزق الروح.

جلستُ على الأرض بجوارها. حاولت أن ألمس خصلات شعرها، فمرت يدي عبرها كالسراب. حاولت أن أمسح دمعتها، فانزلقت أصابعي في الهواء البارد. كنت عاجزًا. العجز المطلق الذي يجعلك تتمنى الموت مرة أخرى لتتخلص من ألمه.

الوحيدة التي كانت تراني وسط كل هذا هي "كايرو". اقتربت القطة مني، ونظرت في عيني مباشرة بعينيها اللامعتين.

وفي تلك اللحظة، سمعت الصوت.

لم يكن صوتًا بشريًا. كان المنادي. صوته هادئ، عميق، يأتي من كل مكان، يتسلل إلى روحي كنسيم دافئ:

"هيا بنا… لقد انتظرت عودتها لتطمئن.. مكانك لم يعد هنا."

التفتّ حولي. شعرت بوزن الوجود يخف. الغرفة بدأت تفقد ألوانها وتتلاشى، وباب من النور الدافئ انفتح ببطء في نهاية الممر.

عرفت أن وقتي المستقطع قد انتهى. أنني استنفدت وهمي البصري والزمني لأن روحي كانت ترفض تصديق فكرة تركها وحيدة تواجه هذا العالم القاسي.

وقبل أن أخطو خطوتي الأولى للخروج، التفتُّ خلفي للمرة الأخيرة.
نظرت إليها.

كانت لا تزال جالسة، والدموع تنحدر على وجنتيها المنهكتين، بينما تحتضن ألبوم صورنا بشدة.

"سأنتظرك…"

همستُ لها بصوت لن تسمعه أبدًا في هذه الدنيا، متمنيًا أن يصل الدفء إلى قلبها.

استدرت نحو النور، تاركًا خلفي بيتًا كان كل حياتي، وامرأة هي كل روحي، وقصة لم أكن أعلم أنني قد كتبت السطر الأخير فيها، في تلك الليلة المشؤومة. عبرتُ عتبة اليقين، وتلاشت ملامحي، تاركًا لها اعتذاري الأبدي:

"آسف حبيبتي… أكملي أنتِ الرواية." هنري ماكسويل