مقال يفيض بألوان الحياة، عن فلسفة شم النسيم وروح مصر العظيمة | بقلم هنري ماكسويل
لو أن باحثًا في علم الاجتماع هبط بمظلته على أرض مصر في صباح يوم الإثنين الذي يلي عيد القيامة المجيد، لظن للوهلة الأولى أن هذا الشعب قد أصابه مس جماعي من الجنون الجميل. سيجد شعبًا بأسره، بمختلف طبقاته، وأديانه، وأعماره، يفترش الحدائق، وأرصفة الكورنيش، بل وأرضيات الشقق، ليمارس طقسًا موحدًا به رائحة لا يطيقها الغرباء، ولكنه بالنسبة للمصريين هو عطر الحياة وميلاد الربيع.
لا يمكنك أن تفهم فلسفة هذا اليوم دون أن تقرأ برديات أجدادنا القدماء. فهذا العيد الذي يعود تاريخه لأكثر من خمسة آلاف عام، كان يُعرف باسم عيد "شمو"، أي بعث الحياة. الأنسان المصري القديم، كان يحتفل بانتهاء فصل الشتاء وبدء موسم الحصاد. المدهش في الأمر، أن قائمة الطعام في ذلك اليوم، لم تتغير حتى يومنا هذا، وكل صنف فيها يحمل فلسفة عميقة.
فالأسماك المملحة لم تكن مجرد طعام، بل كانت رمزاً للخير والعطاء من النيل، وعملية تمليح السمك وحفظه كانت ترمز إلى الخلود والحفاظ على جوهر الحياة.
أما البيض الملون، فكان يرمز إلى خلق الحياة من الجماد، وكانوا ينقشون عليه أمنياتهم ودعواتهم ويعلقونه في الأشجار لتقرأه الآلهة مع شروق الشمس.
والبصل الأخضر ارتبط في أساطيرهم بطرد الأرواح الشريرة، ناهيك عن الخس الذي كان من النباتات المخصصة لإله الخصوبة. كل هذه الرموز انتقلت عبر الجينات، لنجد المصري اليوم يمارس نفس الطقوس، وكأنه يجدد عهده مع أجداده.
وإذا أردت أن ترى التلاحم الحقيقي الذي لا تصنعه الشعارات ولا خطب المنابر، فانظر إلى مصر في هذه الأيام. لقد شاءت الأقدار أن يرتبط هذا العيد الفرعوني بالتقويم القبطي. فحين دخلت المسيحية مصر، وجد المصريون صعوبة في الاحتفال بشم النسيم إذا وافق أيام الصوم الكبير، حيث يُمتنع فيه عن أكل كل ما فيه روح. وهنا تجلت العبقرية المصرية في التوفيق؛ فقررت ترحيل الاحتفال إلى اليوم الذي يلي عيد القيامة المجيد مباشرة، ليصبح العيد عيدين.
اليوم تدق أجراس كنائسنا العتيقة معلنة عيد القيامة المجيد. وفي ليلة سبت النور، لا تقتصر البهجة على ارتداء الملابس الجديدة أو انتظار العيدية بعد انتهاء الصيام؛ ما أجمل أن تراقب وجوه الناس وهم يخرجون من الكنيسة في ليلة العيد؛ وتشم رائحة البخور الممتزجة بعطر الملابس الجديدة، الأيادي التي تتصافح بحرارة قائلة "كل سنة وأنت طيب"، والأطفال الذين يركضون وقلوبهم ترقص فرحاً.
وما يزيد هذه الأيام بهاءً، أن هذا الفجر الروحاني يعانق فجر الطبيعة في اليوم التالي مباشرة. فمن بعد تلك الطقوس، يعود الجار المسيحي محملاً بالفرحة، وفي الصباح يطرق بابه جاره المسلم، أو العكس، ليتشاركا معًا نفس المائدة. تخرج البيوت المصرية عن بكرة أبيها في شم النسيم، لتفرد حصائرها على ضفاف النيل أو في الحدائق الخضراء. هنا، تمتزج رائحة الفسيخ والليمون والبصل الأخضر بالابتسامات، مسلمين ومسيحيين.
تختلط ضحكات الأطفال، وتتداخل الأسماء، في حالة من الذوبان الكامل للهوية المصرية الجالسة فوق بساط أخضر تحت سماء أبريل الصافية.
أما عن مظاهر الاحتفال داخل البيوت، فهي مسرحية هزلية تتكرر فصولها كل عام. تبدأ التحضيرات من المساء؛ حيث يتم سلق البيض وتلوينه. وفي الصباح، تُفرش المفارش على أرضية الصالة أو طاولة الطعام، وتبدأ عملية التشريح المعقدة.
يأخذ الأب أو الأم دور الجراح، تُفتح بطون أسماك الفسيخ والرنجة، وتُعصر عليها أطنان من الليمون في محاولة لترويض رائحتها. يُرص البصل الأخضر ككتيبة عسكرية تحيط بالأسماك، ومعه الخس والملانة. هناك، وسط هذه الفوضى العارمة والرائحة التي تزكم الأنوف، تجد السعادة الحقيقية. يأكل الجميع بشراهة، تتسخ الأيادي، وتتعالى الضحكات، ولا ينتهي المشهد إلا بكوب الشاي الثقيل بالنعناع، وهو الترياق الرسمي الذي يعتقد المصريون أنه يغسل السموم، متجاهلين كافة التحذيرات الطبية المعتادة التي تسبق العيد بيومين.
إن الاحتفال بشم النسيم ليس مجرد رغبة في التهام الأسماك المملحة، بل هو إعلان ضمني لانتصار الحياة، إنها كيمياء مصرية خالصة، تركيبة من الفرح والرجاء والعيش المشترك. إنها الأيام التي نخرج فيها أحسن ما فينا، لنؤكد لأنفسنا قبل العالم أن المحبة في هذا البلد لا تموت، بل تقوم في كل ربيع لتزهر من جديد. وتجعلنا نغني ونقول:
"الدنيا ربيع، والجو بديع