الأجنحة
لا تطير

بقلم هنري ماكسويل

في أواخر القرن الثامن عشر، وتحديدًا في مقاطعة "يوركشاير" الإنجليزية، كانت السماء تحاصر قرية "بلاك وود" بالغيوم. هناك، على تلة جرداء تعصف بها الرياح، انتصب قصر "آشداون"، يئن في ليالي الشتاء وكأنه يبكي على عهد الأجداد، والمجد الذي اندثر.

هناك عاش الشاب "آرثر بيندلتون"، كان آرثر النسل الأخير لعائلة عريقة توالت عليها النكبات والمصائب حتى لم يتبق لها سوى هذا القصر، واسم نبيل لا يغني من جوع. لكن الإرث الحقيقي الذي حمله هذا الشاب كان قلبًا مفرطًا في الحساسية، قلبًا طيبًا ينزف دمًا لمآسي الناس وكأنها مآسيه الخاصة.

كان آرثر شابًا طويلًا، شاحب الوجه، يمتلك عينين حزينتين. كانت مأساة طفولته تلاحقه دائمًا؛ فقد رأى والديه يموتان بمرض غامض التهم أجسادهما ببطء، وتخلى عنهم كل أصدقائهم من النبلاء خوفًا من العدوى. زرع هذا الرعب النفسي في قلب آرثر كراهية عميقة لزيف الطبقة الأرستقراطية، وجعله ينحاز دائمًا للضعفاء.

كان الهواء البارد يضرب وجه "آرثر" الشاحب وهو يسير ببطء في طريق القرية. حذاؤه القديم يغوص في الطين اللزج مع كل خطوة، بينما يضم إلى صدره النحيل بضعة أعواد من حطب مبلل التقطها من حافة الغابة. كان يرتجف بردًا، وأنفاسه تخرج كدخان أبيض يتبدد سريعًا في هواء الشتاء القارس.

فجأة، شق سكون الصباح صراخ امرأة. توقف آرثر في مكانه وتيبست أطرافه. على بعد خطوات، أمام كوخ متهالك، رأى رجلين ضخمين يرتديان معاطف جلدية سوداء. كانا يجران الفلاح النحيل "توماس" مثل ذبيحة. قيود حديدية باردة تلتف حول معصميه وتصلصل في الهواء، والدماء تسيل من شفته المشقوقة.

خلفهما، كانت زوجة توماس تزحف على ركبتيها في الوحل. تشبثت بكلتا يديها بالحذاء اللامع للمرابي الجشع الذي وقف يراقب المشهد ببرود.

صرخت الزوجة بصوت مبحوح:

"أرجوك يا سيدي! ارحمه! المحصول تلف هذا الموسم بسبب الصقيع. أمهلنا أسبوعًا واحدًا فقط وسندفع لك كل شيء!"

ركل المرابي يديها بقسوة لتسقط على ظهرها، وبصق على الأرض قائلًا بصوت غليظ:

"دموعكم لا تسدد ديوني. الدفع الآن، أو يتعفن في السجن."

التف أطفال توماس حول أمهم، حفاة يرتجفون رعبًا، وأصوات بكائهم تخترق أذني آرثر. نظر "توماس" إلى أطفاله وصرخ باكيًا:

"أرجوك أمهلني اسبوعًا واحدًا! كيف سيعيشون من دوني؟"

لم يحتمل "آرثر" المشهد. أحس وكأن أظافر خفية تمزق صدره. سقطت أعواد الحطب من يده، وتقدم ووقف مباشرة أمام المرابي.

"توقف مكانك!"

قال آرثر.

التفت المرابي، ورمق معطف آرثر البالي بنظرة احتقار، ثم ابتسم بسخرية وقال:

"آه، السيد النبيل 'آرثر بيندلتون'. هل جئت لتلقي علينا موعظة؟ وفر كلامك، النبالة الزائفة لا تدفع الفواتير. ابتعد عن طريقي فورًا."

تجاهل آرثر إهانته تمامًا. أدخل يده المرتجفة في جيبه الداخلي، وأخرج صرة جلدية صغيرة ومهترئة. كانت تحوي آخر عملات ذهبية يملكها، وهي ثمن طعامه لشهر كامل. قبض عليها بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه.

"كم يبلغ دينه؟"

سأل آرثر وعيناه الرماديتان تخترقان غرور المرابي.

أجاب الرجل بتهكم: "خمس عملات ذهبية، ولا أقبل وعودًا فارغة."

فتح آرثر الصرة ببطء شديد، وأخرج خمس عملات لامعة. ألقاها في كف المرابي الممتدة وقال ببرود:

"خذها، وفك قيده حالًا."

لمعت عينا المرابي طمعًا حين رأى الذهب. تأكد من العملات، ثم أشار لحراسه. أفلتوا توماس وسقطت القيود في الوحل. ارتمى الفلاح باكيًا عند قدمي آرثر، يمسك بطرف معطفه وينتحب:

"سيدي، دينك في رقبتي؟"

انحنى آرثر برفق، ووضع يده الباردة على كتف توماس ورفعه قائلًا بصوت خافت:

"عد إلى زوجتك وأطفالك يا توماس، وأغلق بابك جيدًا."

استدار آرثر تاركًا العائلة تتعانق في الطين. أكمل طريقه نحو قصره المظلم. كانت الرياح تزداد شراسة، ومعدته تتقلب جوعًا قاتلًا، فهو الآن لا يملك ما يسد به رمقه. في نظر مجتمعه، كان آرثر مغفلًا أحمقًا يرمي بآخر طوق نجاة يملكه في الوحل.

لكنه، ورغم ارتعاش جسده الهزيل، ابتسم ابتسامة هادئة. أحس براحة عجيبة تسري في عروقه.

❊❊❊

كانت الرياح تعوي حول جدران قصر "آشداون" المتصدعة كقطيع من الذئاب الجائعة التي تبحث عن فريسة. قطرات المطر تجلد زجاج النوافذ، محدثة أصواتًا تشبه رمي الحصى. في الداخل، جلس آرثر على كرسيه الخشبي البالي، يسند ظهره المقوس قليلًا. يداه النحيلتان تمسكان بكتاب ذي أوراق صفراء ممزقة الحواف. لم يكن يقرأ فعليًا، بل كان يراقب الجمرة الأخيرة في المدفأة وهي تحتضر، تلفظ أنفاسها كضوء خافت يتلاشى وسط الرماد.

فجأة، شق زمجرة العاصفة صوت غريب. كان صراخًا بشريًا، أعقبه صوت اصطدام عنيف وصهيل خيول مذعورة.

أغلق آرثر الكتاب. انتفض من مكانه مسرعًا. التقط فانوسه النحاسي بيد ترتجف، وأشعله بلهفة. فتح باب القصر، فاندفعت الرياح مثل يد باردة تصفع وجهه وتكاد تطفئ الشعلة.

خاض في الظلام الدامس. كان الوحل اللزج يبتلع حذاءه المهترئ حتى كاحليه مع كل خطوة. يلهث بقوة، بينما أغصان الأشجار المتشابكة تتدلى كأذرع تضرب معطفه وتمزق أطرافه.

توقف وهو يرفع الفانوس عاليًا. أسفل المنحدر، تجسد المشهد أمامه. عربة خشبية فخمة مطلية بالأسود ملقاة على جانبها. إحدى عجلاتها محطمة تمامًا، والخيول ترفس الهواء بحوافرها وتصهل رعبًا في محاولة يائسة للتخلص من أطواقها الجلدية. على مقربة من العجلة، رقد السائق بلا حراك، ووجهه يسبح في بركة من الطين والدماء.

لم يتردد آرثر. هبط بحذر حتى وصل إلى العربة المحطمة. أمسك بمقبض الباب النحاسي المعوج. شده بقوة متجاهلًا الألم الذي خدر أصابعه، فانخلع الباب.

رفع الفانوس لتبديد الظلام داخل المقصورة.

هناك، بين الوسائد الممزقة والزجاج المتناثر، كانت ترقد فتاة مغشيًا عليها.

مد يديه وسحبها برفق شديد وكأنها تمثال من خزف يخاف كسره. حملها بين ذراعيه وخرج بها إلى العاصفة. رفع الفانوس ليضيء وجهها.

في تلك اللحظة، تلاشت أصوات العاصفة من أذنيه، واختفى صهيل الخيل. لم يعد يسمع سوى دقات قلبه المتسارعة.

كانت الآنسة "إليانور وينثروپ."

وجهها مثل قطعة من القمر، بشرتها بيضاء كالثلج، يتناقض بشدة مع خصلات شعرها الأسود المبلل الذي يلتصق بجبينها. خط رفيع من الدماء ينزف من خدش صغير فوق حاجبها.

وبينما كان يتأملها مأخوذًا، سقطت قطرة ماء باردة على جفنها. فتحت عينيها ببطء شديد. التقت عيناها السوداوان بعينيه الرماديتين. كان في نظرتها رعب عميق، زال تدريجيًا ليحل محله الاستسلام. نظرت إليه طويلًا وسط وميض البرق، وفي تلك النظرة الصامتة، ولد حب جارف اجتاح روح "آرثر" كإعصار مدمر.

"لا تخافي"

همس آرثر بصوت خافت بالكاد سُمع من وسط العاصفة.

لم تنطق بحرف، لكن يدها المرتجفة ارتفعت لتتشبث بياقة معطفه المبلل. أحكم ذراعيه حول جسدها، وضمها إلى صدره لحمايتها من المطر. مشى بها مسافة طويلة، وكأنها لا تزن شيئًا، حتى وصل أخيرًا إلى قصره البارد.

وضعها برفق على كرسي بجوار المدفأة المطفأة. أسرع وألقى بآخر قطع الحطب الجاف الذي يملكه، ونفخ فيه حتى اشتعلت نار هادئة أضاءت الجدران.

طوال الليل، جلست إليانور ترتجف، تلف جسدها بمعطفه الصوفي الخشن، بينما كان آرثر يقف في الزاوية المظلمة، مستندًا إلى الجدار، يراقبها والضوء البرتقالي الراقص ينعكس على وجهها.

"لماذا تخاطر بحياتك من أجل غرباء؟"

سألت إليانور، وصوتها لا يزال يحمل رعشة خفيفة.

تنحنح آرثر قبل أن يجيب بهدوء، وعيناه لا تفارقان لهيب النار:

"لأن الغابة الموحشة في الخارج لا تليق بك يا آنسة وينثروپ."

عقدت حاجبيها بدهشة: "أنت تعرفني إذن؟"

هز رأسه ايجابًا بخجل.

ابتسمت ولم تقل شيئًا، لكنها أسندت رأسها إلى الكرسي. شعرت بدفء غريب يسري في عروقها، من هذا الشاب الشاحب ذي الثياب الرثة، ففي وسط عالمها المليء بالوجوه الباردة والمشاعر المزيفة، وجدت في عينيه وطنًا آمنًا.

مرت الساعات، وانقشع الظلام. تسللت خيوط صباح رمادي بارد من النوافذ المكسورة.

خارج القصر، دوى صوت حوافر خيل وعجلات. وقف آرثر عند النافذة، يراقب رجال عائلة وينثروپ يقتربون بعرباتهم الفاخرة اللامعة وحراسهم المسلحين.

التفت ليرى إليانور تنهض ببطء، تخلع معطفه وتضعه على الكرسي. سارت نحوه، ووقفت أمامه مباشرة. لمست أصابعها الباردة يده للحظة، ونظرت إليه نظرة أخيرة تحمل أملًا خفيًا.

"أشكرك"

همست بها وكأنها تودع جزءًا من روحها.

تراجع آرثر خطوة إلى الوراء، وعقد يديه خلف ظهره حتى غاصت أظافره في لحمه، وقال بصوت بارد خال من المشاعر:

"رافقتك السلامة يا آنسة."

بعد أن صعدت إلى عربتها وغادرت، نظر آرثر إلى يديه الفارغتين، وأدرك الفجوة السحيقة بينهما، فهي وريثة القصور والثروات، وهو مجرد وريث لأطلال أجداده.

أغلق آرثر الباب، وابتلع غصة في حلقه، مقررًا أن يحفر قبرًا في قلبه، يدفن فيه هذا الحب الجارف، ويكتفي بمراقبة أميرته من بعيد.

❊❊❊

توالت الأيام، وبدأ السير "ويليام" يرسل دعوات رسمية لآرثر لحضور الحفلات الباذخة في قصر "هايفيلد" كنوع من رد الجميل المتعالي لإنقاذ ابنته. كان آرثر يحضر تلك الحفلات كطيف صامت، يرتدي أفضل معطف قديم يملكه، ويقف متواريًا في الزوايا المظلمة للقاعة المضاءة بآلاف الشموع. كان يراقب إليانور من بعيد، وهي ترقص مع النبلاء والأثرياء بأثوابها الحريرية الفاخرة. كانت تبدو كأميرة أسيرة وسط ثعابين تلتف حولها.

وفي إحدى تلك الحفلات الكئيبة المليئة بالوجوه المزيفة، ظهر الخطر الحقيقي الذي جمد الدماء في عروق آرثر. البارون "ريتشارد بلاكوود"، رجل في الأربعين من عمره، فاحش الثراء، قاسي الملامح، وبارد المشاعر كلوح من الجليد. كان البارون يشتهر بقسوته وتلذذه بتدمير خصومه، وينظر إلى إليانور كنظرة صياد متمرس إلى فريسة ثمينة. بدأ البارون يتقرب منها بشكل صريح ومخيف، يتحدث مع والدها بثقة المالك. كان آرثر يراقب المشهد وقلبه يحترق قهرًا. كانت إليانور تختلس النظرات نحو آرثر، نظرات تحمل استغاثة ونداء صامتًا لكي يتدخل وينقذها، لكن آرثر، بقلبه المنكسر وعجزه المادي، كان يخفض بصره هربًا، ظنًا منه أنه أقل من أن يطلب يدها، وأنه لا يملك سوى الفقر ليهديه إياها.

❊❊❊

أدرك آرثر أن الحب في هذا العالم المادي يحتاج إلى معجزة، والمعجزة تعني المال. قرر أن يفعل شيئًا مستحيلًا. جمع ما تبقى من مقتنيات عائلته وسافر إلى مدينة لندن، مصممًا على خوض غمار التجارة وجمع ثروة تمكنه من الوقوف ندًا للبارون ريتشارد. لكن لندن في ذلك الزمان لم تكن مدينة للأحلام، بل كانت وحشًا كاسرًا يفترس أصحاب القلوب اللينة.

في شوارع العاصمة، اصطدم آرثر بالواقع. تعرض لعمليات احتيال قذرة من تجار لا يعرفون الرحمة، استغلوا صدقه وقلبه الطيب ليسلبوا أمواله شيئًا فشيئًا. وفي ذروة يأسه، عاد إلى قريته في يوركشاير محطمًا، مفلسًا تمامًا، والسعال القاسي يمزق صدره بعد أن تسلل الصقيع إلى رئتيه الضعيفتين. لم يحضر معه ثروة ليضعها تحت قدمي إليانور، بل عاد يحمل يقينًا قاطعًا بأن حبه سيبقى سرًا يدفن معه في قبره.

❊❊❊

في مكتبة قصر هايفيلد، كان الهواء ثقيلًا ومكتومًا، لا يقطعه سوى طقطقة حطب المدفأة وصوت دقات ساعة الحائط التي كانت تبدو كدقات مطرقة تدق مسامير نعش خشبي. جلس السير ويليام خلف مكتبه المصنوع من خشب الماهوجني، منهارًا تمامًا. وجهه الذي كان يفيض بالغرور أصبح الآن رماديًا كوجه جثة، ويداه ترتجفان بعنف وهو يحدق في كومة من الأوراق الممهورة بأختام حمراء؛ خطابات إنذار، وتقارير بحرية تؤكد غرق سفنه التجارية في قاع المحيط، ساحبة معها آخر عملة ذهبية من ثروته العريقة.

انفتح الباب الخشبي الثقيل بقوة. دخل البارون ريتشارد بخطوات بطيئة، حذاؤه الجلدي الأسود يضرب أرض القاعة بصدى يصيب القلب بالرعب. رمى عصاه ذات الرأس الفضي على الأريكة المخملية، ووقف أمام السير ويليام، يبتسم ابتسامة ذئب وجد فريسته تنزف.

"الدائنون يقفون كالكلاب الجائعة على أبواب قصرك يا ويليام، وبحلول صباح الغد، ستساق إلى سجن المدينين مقيدًا بالسلاسل."

رفع السير ويليام عينيه الغائرتين، وتوسل بصوت مهزوز يقطر ذلًا:

"أمهلني شهرًا، شهرًا واحدًا فقط يا ريتشارد وسأتدبر الأمر."

ضحك البارون ضحكة جافة، وأخرج من جيب معطفه الداخلي رزمة سميكة من الصكوك:

"لقد اشتريت جميع ديونك البارحة. قصرك، أراضيك، واسم عائلتك، كلها الآن معلقة بين أصابعي. سألقي بهذه الأوراق الليلة في نار مدفأتك، وسأنقذ اسم عائلتك من وحل الفضيحة، مقابل شيء واحد فقط."

التمعت عينا البارون ببريق شيطاني مظلم وأكمل ببطء شديد:

"إليانور. زفافي عليها سيكون نهاية هذا الأسبوع."

خارج المكتب، في الرواق المظلم، كانت إليانور تقف كتمثال من جليد. صينية الشاي الفضية التي كانت تحملها لوالدها وقعت من بين يديها المرتجفتين، لتصطدم بالأرضية محدثة دويًا عنيفًا. تناثرت قطع الخزف المحطمة، وتناثرت معها روحها. سمعت كل كلمة. شلت أطرافها تمامًا، وشعرت وكأن أفعى باردة تلتف حول عنقها لتخنقها ببطء.

ركضت بخطوات متعثرة ومذعورة نحو غرفتها، وأغلقت الباب خلفها لتسقط على ركبتيها فوق السجاد. في زاوية غرفتها، كان الخدم قد وضعوا فستان الزفاف الحريري الأبيض فوق السرير، استعدادًا للمناسبة التي فرضت عليهم. زحفت إليانور نحوه، وعيناها تفيضان بدموع حارقة. أمسكت بطرف القماش الحريري الناعم، وبنوبة من القهر والرعب الخانق، شدت القماش بقوة مفرطة حتى تمزق بصوت حاد يشبه صرخة مكتومة. مزقته مرة تلو الأخرى، وهي تشهق بالبكاء، ترمي القطع البيضاء الممزقة حولها وكأنها تنثر أكفانًا ميتة على قبر مفتوح. لم تكن ترى في هذا الفستان اللامع سوى مشنقة مزخرفة تسحبها نحو الجحيم.

في تلك الأثناء، وفي الجانب المظلم من الغابة، كان الموت يجلس بجوار آرثر في كئابته وعزلته.

رقد آرثر على سريره الخشبي، يتلوى تحت بطانية صوفية رثة لا تدفع عنه زمهرير الشتاء. كان يسعل بقوة، سعالًا خشنًا يمزق أضلاعه، وحين أبعد قطعة القماش القطنية عن فمه، رأى بقعة دماء حمراء داكنة تتسع عليها. كان جسده يرتجف بعنف من حمى قاتلة تتآكل لحمه ببطء.

انفتح باب الكوخ بصرير حزين. دخل الفلاح توماس يحمل حطبًا إضافيًا، وجلس بجوار السرير، وعيناه تفيضان حزنًا وشفقة.

قال توماس بصوت خفيض، وهو يمسح دمعة هاربة:

"يا لها من مأساة، القرية كلها تتحدث عن الكارثة التي حلت بقصر هايفيلد يا سيدي. السير ويليام أفلس تمامًا وباع ابنته للبارون الملعون ليسدد ديونه. زفاف الآنسة إليانور سيكون هذا الأسبوع، يقولون إنها تبكي ليلًا ونهارًا، وتتمنى الموت قبل أن يلمسها ذلك الوحش."

توقف توماس عن الكلام حين لاحظ التغير المرعب الذي طرأ على سيده.

توقف سعال آرثر فجأة. اختفت الرعشة من جسده المحموم كأنها لم تكن. جمد الدم في عروقه، ورفع عينيه الرماديتين نحو السقف المتشقق. تخيل إليانور بين ذراعي البارون القاسي، تخيل عينيها الواسعتين تنطفئان للأبد.

في تلك اللحظة بالذات، تبدد كل خوف، وتلاشى كل ضعف في قلبه الزجاجي. ألقى البطانية الممزقة بعيدًا، ووضع قدميه العاريتين على الأرضية الخشبية. استند بيديه المرتجفتين على حافة السرير، ودفع جسده المنهك للوقوف. كان صدره يعلو ويهبط بسرعة، وعيناه تشتعلان بنار غاضبة لم يعرفها من قبل.

أمسك بمعطفه البالي وارتداه فوق ثيابه الملطخة بالدماء. لم يعد هناك مجال للتردد أو الاختباء. نظر إلى صورته الشاحبة في زجاج النافذة، ولم ير رجلًا يحتضر، بل رأى فارسًا قرر أن ينهض من قبره ليخوض معركته الأخيرة. مسح الدماء عن شفتيه بظهر يده، واتجه نحو الباب ليواجه العاصفة.

❊❊❊

كان الظلام كثيفًا كستارة سوداء تخنق شوارع المدينة المجاورة. تحت ضوء مصباح زيتي خافت يتأرجح في زقاق ضيق، وقف آرثر بيندلتون أمام باب خشبي مقشر. سعل بقوة حتى اهتز جسده النحيل، ثم دفع الباب ليدخل إلى مكتب السيد كراولي.

كانت رائحة المكان مزيجًا خانقًا من الرطوبة، ورائحة التبغ التي تفوح دائمًا من ملابس كراولي. جلس المحامي الجشع خلف مكتب مكدس بالملفات، وجهه البدين يلمع بعرق بارد، وعيناه الصغيرتان الماكرتان تدرسان الرجل الشاحب الواقف أمامه.

جلس آرثر على كرسي خشبي صلب ببطء، وكأن كل حركة تكلفه جزءًا من روحه. خلع قبعته المبللة، ورفع عينين رماديتين تشعان بعزم مرعب، عزم رجل يخطط لجنازته الخاصة.

قال آرثر بصوت مبحوح لكنه قاطع كشفرة سيف:

"قصر آشداون، غابات الصنوبر المحيطة به، المروج الشاسعة، مضافًا إليها مقتنيات القصر بالكامل؛ لوحات أجدادي الزيتية، والمكتبة التي تحوي مخطوطات نادرة."

توقف لحظة ليلتقط أنفاسه، ثم أكمل:

"كل هذا معروض للبيع الفوري، الليلة، وبأي ثمن مناسب يدفعه المشترون لك."

سقط القلم من يد المحامي كراولي. اتسعت عيناه الصغيرتان بذهول شديد، وابتسم ابتسامة صفراء تظهر أسنانه المنخورة.

"قصر آشداون؟ أملاك عائلة بيندلتون العريقة؟ للبيع الفوري في ليلة واحدة؟ أنت تمزح يا سيدي! هذا إرث قرون! المشترون سينقضون على هذه الغنيمة بأقل من نصف قيمتها الحقيقية إذا كان البيع اضطراريًا هكذا!"

انحنى آرثر للأمام، واقترب بوجهه الشاحب من المحامي حتى كاد يلامس المكتب.

"لا يهمني، اجمع لي من الذهب ما يكفي لتنفيذ أمري، واحتفظ أنت بالباقي كعمولة تسكت بها لسانك."

أخرج آرثر صرة من العملات الذهبية القليلة المتبقية معه ورمى بها على المكتب. رنت العملات بوضوح. التقطها كراولي بلهفة، بينما استمر آرثر بنبرة صارمة، يضرب بإصبعه البارد على الطاولة:

"غدًا صباحًا، تأخذ أموال البيع وتتوجه فورًا إلى السير ويليام وينثروپ. تسدد كافة ديونه بالكامل. تمزق صكوك الديون أمام عينيه. تتأكد شخصيًا من طرد البارون ريتشارد وإلغاء زفافه فورًا."

توقف آرثر، ونظر نظرة ثاقبة جعلت المحامي يبتلع ريقه بصعوبة.

"وهنا الشرط الأكثر أهمية، الأهم من حياتك يا كراولي. تقسم بشرفك الملوث، ألا تكشف هويتي أبدًا تحت أي ظرف من الظروف. تخبرهم أن متبرعًا مجهولًا، أو قريبًا بعيدًا، هو من سدد الديون. إذا نطقت باسمي، أو اسم عائلتي، سأعود من قبري لأحرق هذا المكتب وأنت بداخله."

ارتجف كراولي، وأومأ برأسه سريعًا مرعوبًا من نظرة الموت في عيني آرثر. سحب أوراق البيع والتنازلات بسرعة، غمس ريشته في الحبر الأسود، ودفعها نحو آرثر.

أمسك آرثر بالريشة. كانت يده ترتجف من وطأة اللحظة. نظر إلى الورقة التي ستمحو تاريخ عائلته للأبد. أخذ نفسًا عميقًا، ووقع اسمه بخط ثابت.

أشعل كراولي شمعة الختم الحمراء. سكب قطرات الشمع الحار على الورقة. أخرج آرثر خاتم عائلته الفضي، الخاتم الذي توارثه أجداده لقرون. ضغط بقوة، شاهد الخاتم يغوص في الشمع الأحمر الحار للمرة الأخيرة، تاركًا بصمة نبالة ستموت معه. خلع الخاتم، ورماه ببرود على المكتب، ثم نهض.

خرج آرثر من المكتب إلى الشارع المظلم. ترك وراءه ماضيه، واسمه، ومستقبله. لم يعد نبيلًا، ولم يعد يملك حتى سقفًا يحميه. كان يمشي في الوحل، بخطوات ثقيلة كشبح لا يرى.

سار مسافة طويلة جدًا خارج المدينة، متعمقًا في الغابة السوداء الموحشة، حيث الأشجار العارية تقف كشواهد قبور ضخمة. هناك، في أعمق وأظلم بقعة، وجد ضالته؛ كوخ حطابين قديم، جدرانه الخشبية متشققة وبعضها منهار، وسقفه مثقوب يسمح بمرور الثلج والمطر.

دخل آرثر الكوخ المظلم. الهواء في الداخل كان أبرد من الخارج. لا توجد مدفأة، لا سرير، لا طعام، ولا حتى قطعة قماش يسد بها رياح الشتاء القاتلة.

جلس في الزاوية المظلمة على أرضية ترابية رطبة. أسند ظهره للجدار الخشبي. سحب ركبتيه إلى صدره النحيل، واحتضن نفسه بشدة، يرتجف بعنف تحت وطأة البرد والجوع والمرض الذي أخذ ينهش صدره. ورغم الألم الجسدي الذي يمزق خلاياه، ورغم سعاله الذي يطرح الدم في التراب، أغمض عينيه وابتسم. ابتسم ابتسامة دافئة وصافية، لأنه يعلم أن الفتاة التي أحبها، تنام الآن حرة، بعيدًا عن مقصلة الوحش.

❊❊❊

كان جسد آرثر ينهار بسرعة مرعبة في ذلك الكوخ. هاجمه مرض السل بشراسة، وأخذ يسعل دمًا يلطخ ثيابه الممزقة. كان ينام على سرير من القش الرطب، يرتجف حمى وألمًا، لكنه كان يعيش في حالة من النشوة الروحية الغريبة. كان يبتسم بصدق في الظلام لأنه يعلم أن إليانور تنام الآن آمنة، حرة، وغير مجبرة على بيع جسدها وروحها لوحش بشري.

كان يقضي لياليه الطويلة في كتابة رسائل حب لا نهاية لها لإليانور، باستخدام قطعة فحم على ظهر أوراق قديمة. رسائل يسكب فيها كل مشاعره ودموعه وحسرته، يصف فيها كيف كان يراقبها من بعيد، وكيف كانت ابتسامتها تضيء عتمة حياته. كان يكتب:

"حبيبتي إليانور، لم أملك ثروة لأشتري لك السعادة، لكنني بعت حاضري وماضي عائلتي لأشتري لك حريتك. أحبك حبًا يتجاوز حدود هذا العالم المادي الكئيب."

ثم كان يطوي هذه الأوراق ويخبئها تحت وسادته الخشنة، لأنه لم يكن ينوي إرسالها أبدًا، أرادها أن تعيش سعيدة دون أن يثقل كاهلها بذنب موته وتضحيته.

❊❊❊

في قصر هايفيلد، في الردهة الرخامية، وقف السير ويليام يضحك بملء شدقيه، ممسكًا برسالة المحامي، ودموع الفرج تنزلق على تجاعيد وجهه.

"لقد سددت جميع الديون! متبرع مجهول سدد كل شيء! زفافك ملغى يا إليانور!"

على الجانب الآخر، وقف البارون ريتشارد ووجهه يحتقن غضبًا، وعروق رقبته تكاد تنفجر. رمى السير ويليام عقود الزواج تحت قدمي البارون وأشار بيده نحو الباب الضخم صارخًا:

"اخرج من قصري فورًا يا ريتشارد!"

رمق البارون إليانور بنظرة سامة كشفرة مسمومة، وزمجر بصوت يشبه فحيح الأفعى:

"ستندمون، أقسم أنني سأدمركم جميعًا."

ثم استدار وخرج غاضبًا، يضرب الأرض بعصاه الخشبية.

ضج القصر بأصوات الموسيقى والاحتفالات، لكن إليانور كانت تقف كشبح شاحب بجوار المدفأة. لم يكن قلبها يرقص معهم. كان مقبوضًا بشدة، يعصره قلق مبهم ومخيف. من هو هذا الملاك الحارس الذي سكب ثروة طائلة ثم اختفى كطيف في العتمة؟ ولماذا تزامن هذا الخلاص مع اختفاء آرثر التام؟ حين سألت الخدم، كانت الإجابة باردة كالثلج؛ لقد باع أطلال قصره وسافر بعيدًا ليبدأ حياة جديدة. لكن روحها كانت ترفض تلك الكذبة، وتئن بصوت خفي ينذر بكارثة.

مرت أسابيع بطيئة وثقيلة كأنها قرون. في عصر يوم غائم وكئيب، ذهبت إليانور إلى مكتب المحامي السيد كراولي في المدينة المجاورة لترتيب بعض الأوراق القانونية. أخبرها كراولي أنه سيحضر ملفًا من الغرفة الأخرى، وتركها وحيدة.

وقفت إليانور أمام مكتبه المكدس بالملفات. بدافع الفضول ولترتيب الفوضى، امتدت أصابعها الرقيقة لتزيح ملفًا جلديًا أسود. وبمجرد أن حركته، انزلقت من تحته مسودة ورقة صغيرة ومجعدة، لتسقط على الأرضية الخشبية بصوت خافت.

انحنت والتقطتها. كانت الورقة خشنة، وتحمل بقعة من شمع أحمر داكن يبدو مألوفًا جدًا. فتحت طياتها ببطء، وبدأت عيناها تتنقل بين السطور المكتوبة بحبر أسود سميك.

"إقرار تنازل، أتنازل أنا، آرثر بيندلتون، تنازلًا كاملًا وقطعيًا عن قصر آشداون وكافة أراضي عائلتي ومقتنياتها، على أن يحول المبلغ نقدًا وفورًا لتسديد كافة ديون السير ويليام وينثروپ"

توقف تنفسها. نزلت بعينيها المرتجفتين إلى أسفل الورقة. هناك، بجوار الختم الأحمر، استقر توقيع بخط يدوي مهتز لكنه حازم. توقيعه هو، آرثر بيندلتون.

توقف الزمن في تلك اللحظة بالذات.

تلاشى صوت الهواء في الغرفة. شلت أطرافها تمامًا، وبدأت الورقة ترتجف بين يديها بعنف كأنها تمسك بجمرة مشتعلة.

اتسعت عيناها رعبًا وصدمة. أدركت الحقيقة المروعة كصاعقة مزقت جمجمتها.

آرثر لم يسافر! آرثر الشاب النبيل الفقير، الفارس الشاحب الذي حملها بين ذراعيه وسط العاصفة، هو من فعل هذا! لقد انتزع جذوره، وباع تاريخ أجداده، وتنازل عن حياته ومستقبله بأكمله ليشتري حريتها! اختار التشرد والموت بصمت في العراء، لكي تنام هي سيدة مكرمة في قصرها الدافئ ولا تساق إلى جحيم البارون!

شهقت شهقة قوية ومؤلمة كأن خنجرًا غرس في صدرها.

في تلك اللحظة، انفتح باب المكتب ودخل المحامي كراولي يبتسم ابتسامة مصطنعة، سرعان ما تلاشت حين التقت عيناه بعينيها.

كانت إليانور تقف كإلهة غضب منتقمة، وجهها أبيض كالموت، ودموع حارقة تغلي في عينيها السوداوين، والورقة الملعونة مرفوعة في يدها المرتجفة.

"ما هذا؟!"

صرخت إليانور صرخة هزت جدران المكتب المتعفنة، صرخة لم تعرف أبدًا أنها تمتلكها، صرخة أنثى ذبحت من الوريد إلى الوريد.

تراجع المحامي خطوة للوراء مرعوبًا، وسقطت الملفات من يديه محدثة دويًا عاليًا.

اندفعت نحوه بحدة، وضربت بقبضتها على صدره المكتنز بقوة مفرطة أسقطته على كرسيه، وزمجرت بصوت يقطر ألمًا وجنونًا:

"أين هو يا كراولي؟! أين آرثر بيندلتون؟! لقد أخبرتني أنه سافر بعيدًا! أين الرجل الذي باع لحمه ودمه من أجلي؟! انطق أو أقسم أنني سأحرق هذا المكان وأنت بداخله!"

انهار المحامي الجشع تحت ضغط صراخها، ورعبها، وتهديدها المستميت. تصبب العرق البارد من جبينه، ورفع يديه مستسلمًا، واعترف بصوت يرتجف خوفًا وذلًا:

"لقد، لقد أقسمت له بشرفي ألا أخبركم، لقد هددني بحرق مكتبي! أخذ المال ودفع ديونكم واختفى في نفس الليلة"

أمسكت إليانور بياقة معطفه القذر بكلتا يديها وهزته بعنف، ودموعها تنهمر كالشلال:

"أين تركته يموت بينما نحن نحتفل بأمواله؟! أين هو الآن؟!"

أغمض كراولي عينيه رعبًا، وابتلع ريقه بصعوبة، ثم همس بصوت يشبه الحشرجة:

"في الغابة السوداء، في كوخ الحطابين القديم والمهجور، إنه يعيش كالمتشرد هناك يا سيدتي، مريضًا بشدة، السل ينهش صدره والبرد يقتله ببطء، القرية تقول إنه، إنه يسعل دمًا ويحتضر وحيدًا."

أفلتت إليانور ياقته باشمئزاز، ليتساقط على كرسيه ككيس فارغ. تراجعت للخلف خطوتين، تلهث بقوة وكأنها تختنق. الكلمات ضربت قلبها كسهام مسمومة. "يحتضر وحيدًا"، من أجلها.

لم تبك أكثر، ولم تنطق بكلمة أخرى. استدارت وركضت كمجنونة. ركضت نحو الباب، نحو الشارع الموحل والمطر القاسي، تاركة عالم النبلاء المزيف خلفها، لتبدأ سباقها المرعب مع الموت، متجهة نحو قلب الغابة السوداء، لإنقاذ الفارس الوحيد الذي اشترى حياتها بثمن أنفاسه.

❊❊❊

كانت العاصفة التي تضرب يوركشاير في تلك الليلة قاسية جدًا، لكن إليانور لم تهتم لغضب الطبيعة. خرجت من مكتب المحامي. لم تبحث عن معطف يقيها زمهرير الشتاء، ولم تنتظر تجهيز عربتها. ركضت بفستانها الحريري الخفيف كطيف أبيض يمزق سواد الليل، تاركة شوارع المدينة خلفها لتقتحم ظلمة الغابة السوداء.

كانت الرياح تعوي كذئاب جائعة، تصفع وجهها بوحشية تكاد تعميها. الغابة ذاتها بدت وكأنها تقاومها؛ الأشجار العارية تلوح بأذرعها لترعبها. تمزق حرير فستانها بأشواكها، ونزفت قدماها الرقيقتان على الحجارة الحادة حين فقدت حذاءها في الطين.

تعثرت وسقطت على وجهها في الوحل مرارًا وتكرارًا. كان الطين البارد يلطخ وجهها ويديها، لكنها كانت تنهض في كل مرة بإصرار أعمى. كان الرعب ينهش قلبها كأنياب ذئب، رعبًا أسود وقاتلًا من أن تسرق يد الموت الباردة فارسها النبيل قبل أن تصل إليه. كانت دموعها تتجمد على خديها، وهي تصرخ باسمه في الظلام الدامس: "آرثر! لا ترحل! انتظرني!"

بعد عذاب طويل وشاق استنزف آخر قطرة من قوتها، لاح لها ضوء خافت جدًا، ضوء أصفر مريض يتسرب من شقوق كوخ خشبي متهالك يئن تحت وطأة العاصفة.

اقتربت بخطوات ترتجف، تلهث بقوة حتى كاد صدرها أن ينفجر. مدت يدها الدامية والملطخة بالطين، ودفعت الباب الخشبي المكسور، فانفتح بصرير حزين ومخيف.

كان المشهد في الداخل يدمي الصخر.

الكوخ خال من أي أثاث، مجرد كومة من القش الرطب المظلم في الزاوية، وفوقها يرقد آرثر. كان شاحبًا كقطعة من الجليد، جسده تحول إلى هيكل عظمي بالكاد تكسوه ثيابه الممزقة. كان صدره يرتفع ويهبط بصعوبة بالغة ومؤلمة، مصدرًا حشرجة خشنة تقطع الأنفاس وتعلن اقتراب النهاية. بجواره، فوق صندوق قديم، شمعة وحيدة تكاد تنطفئ، وحولها تناثرت أوراق كتب عليها رسائل بحبر أسود خلط بقطرات من دمه.

انهارت إليانور على ركبتيها فورًا. زحفت في الطين والقش حتى ارتمت بجانبه، ملقية بنفسها فوق صدره البارد النحيل. احتضنته بقوة يائسة، ودموعها الساخنة تنزل كالمطر لتغسل وجهه الشاحب من غبار الموت.

صرخت بصوت يمزقه النحيب، صوت يختصر كل ألم العالم:

"آرثر! آرثر أرجوك لا تتركني! افتح عينيك يا حبيبي! لقد عرفت كل شيء."

فتح آرثر عينيه ببطء شديد جدًا، وكأن جفونه تزن أطنانًا من الرصاص. نظر إلى وجهها الباكي والملطخ بالطين، ولم يصدق للحظة أنها أمامه. ظن أنها إحدى هلوسات سكرات الموت، طيف من ملائكة الرحمة جاء ليرافقه. لكن دفء دموعها التي سقطت على شفتيه المتشققتين، ورعشة يديها وهي تمسك بوجهه، أخبرته أنها حقيقة ملموسة.

حاول التحدث، فخرج صوته خافتًا ومتقطعًا كحفيف أوراق الخريف اليابسة:

"إليانور، رؤيتك هنا، هي الجنة التي تمنيتها ولم أجرؤ أبدًا على طلبها. لم أذبح نفسي يا حبيبتي، بل خلقت مبررًا لوجودي، لأنني أحبك حبًا أكبر من هذه الدنيا الموحشة."

شهقت إليانور بقوة، وقبلت يديه المتجمدتين، وضمتهما إلى صدرها المشتعل كأنها تحاول نقل حياتها إليه:

"وأنا أحبك يا آرثر! أحبك أنت! كنت أحبك منذ اللحظة الأولى التي حملتني فيها وسط العاصفة! لا أريد قصورًا ولا مالًا ولا حياة بدونك، أريدك أنت فقط! سنبقى معًا دائمًا! سأحملك إلى قصري، سأعالجك، ستعيش ونبني عالمنا معًا بعيدًا عن كل هذا الزيف!"

في تلك اللحظة الفارقة، حدث شيء مرعب ومذهل في آن واحد.

الكلمات التي صرخت بها إليانور، اعترافها الصريح والحار بحبها المطلق له، واليقين القاطع في عينيها بأنها تبادله هذا العشق الأسطوري، كان أعظم وأضخم بكثير من أن يحتمله قلب آرثر. قلبه الضعيف الذي عاش سنوات طوال في الحرمان والقهر، قلبه المريض المتهالك الذي كان ينبض بصعوبة شديدة ويقاوم الموت، لم يستطع أبدًا تحمل هذه السعادة المفرطة والنشوة المباغتة.

اتسعت عيناه الشاحبتان، ولمعت فيهما فرحة طاغية لم يشهدها إنسان من قبل، فرحة أضاءت وجهه المتعب بنور غريب. ابتسم ابتسامة هادئة، واسعة، تفيض بسلام.

أخذ نفسًا عميقًا وطويلًا، وحاول أن يرفع يده المرتجفة ليمسح دموعها المتساقطة عن خدها. لكن قبل أن تلامس أصابعه وجهها، سقطت يده فجأة على القش. تنهد تنهيدة عميقة أخيرة، وارتخى جسده تمامًا، وتوقف قلبه عن النبض للأبد.

لقد قتلته الفرحة. مات من فرط السعادة التي عجز جسده الهزيل عن استيعابها في لحظة واحدة.

دوى صراخ إليانور في الغابة السوداء. صرخة رعب، وفقد، وألم، شقت عنان السماء، صرخة لم يمحها الزمن أبدًا، ولا يزال يتردد صداها بين أشجار "يوركشاير" حتى اليوم.

❊❊❊

مرت السنوات طويلة، وكئيبة، وبطيئة.

ورثت إليانور أملاك عائلتها الطائلة، وأصبحت أقوى امرأة في المنطقة. لكنها لم تتزوج أبدًا، رغم محاولات النبلاء المستميتة للفوز بقلبها. رفضت كل عروض الزواج ببرود. ارتدت السواد طوال حياتها، وتحولت إلى امرأة صامتة تعيش كالظل الشاحب في قصر عائلتها الفسيح.

قامت بشراء الغابة السوداء بأكملها، وأحاطتها بسور حجري عال. وفي قلب الغابة، حيث كان الكوخ القديم، بنت ضريحًا رخاميًا لا يدخله أحد سواها. كانت تزور قبر آرثر كل يوم، مهما كان الطقس قاسيًا وعاصفًا. تجلس بالساعات الطويلة، تقرأ رسائله التي وجدتها تحت وسادته، تبكيه صمتًا، وتتحدث إليه وكأنه جالس أمامها.

عاشت إليانور حياتها بأكملها تحمل في صدرها وحلقها غصة مريرة لا تندمل، غصة فقدان الرجل الوحيد الذي أحبها بصدق وضحى بكل شيء من أجلها.

ولكن عزائها أنه مات بين ذراعي من يحب، مبتسمًا، سعيدًا، ومطمئنًا تمامًا.

هنري ماكسويل