كلام في الحب

مقال يفيض بنوستالجيا الزمن الجميل، عن رقي المشاعر في ألحان العظماء | بقلم هنري ماكسويل

أنا من عشاق الموسيقار "محمد عبد الوهاب"، بالرغم من مظهري الذي قد لا يشي من قريب أو بعيد بذلك الانتماء الكلاسيكي، ولا يوحي بأن بين أضلعي روحًا تتنفس الماضي. ويرجع هذا الفضل العظيم لأبي رحمه الله، الذي كان أحد مريديه المتيمين، وكان عبد الوهاب بالنسبة له مطربه الأول والأخير. ولو توقفنا قليلًا، وابتعدنا عن أغاني هذا الزمان، وتمعنا في مطلع واحدة من أرق أغانيه، لسمعنا موسيقار الأجيال يغني بصوته الرخيم المخملي، وكأنه يهمس في أذن الزمان:

"كل ده كان ليه.. لما شفت عينيه؟
حن قلبي إليه.. وانشغلت عليه"

كلمات بسيطة ولكنها تحمل معاتبة راقية، وحب الصافي، أنا لا أقول ذلك لأشرح الأغنية، بل أنا هنا من أجل "الإحساس". نعم، ذلك الإحساس الذي تسرب من بين أصابعنا كما يتسرب الماء من كف عطشان، ذلك الوجدان الذي كان يغلف حياتنا بالرقة، ويجعل من الحب حالة صوفية تعلو بصاحبها في سماء الطهر والنقاء بعيدًا عن الماديات وقسوة الجفاء.

لو سافرنا بذاكرة القلب والوجدان قليلًا إلى الوراء، وسألنا أنفسنا: هل تذكرون محطة أم كلثوم؟ ذلك الميعاد المقدس في تمام الساعة الخامسة مساءً، عندما كانت شرفات البيوت تتوحد على موجة إذاعية واحدة، وتتهادى إلى آذاننا تلك المقدمة الموسيقية المهيبة لروائع "الست". كان الوقت يتوقف، وتنسحب شمس الأصيل في هدوء لتفسح المجال لملكة الطرب كي تجلس على عرش القلوب. كانت رائحة الشاي المعطر بالنعناع تعبق في الأرجاء، والآباء يجلسون في سكينة، والأمهات ينصتن، والكل في حالة خضوع تام لجلال الفن ورقة المشاعر.

في تلك الساعة، لم تكن الأغنية مجرد لحن عابر، بل كانت رسالة محملة بأشواق لا تنتهي. كانت أم كلثوم تغني للحب وللصبر وللشوق، ولكن برقيّ أميرة لا تنحني، وبسمو عاشقة لا تُذل. كان الهجر في أغانيها، إن وُجد، هجرًا يحمل في طياته أمل الوصل، ولوعة الحنين، وجمال الذكريات، لا رغبة الانتقام. كانت تغني "أغدًا ألقاك؟" فتذوب الجبال رقة، وتصدح "أنت عمري" فيولد الحب من جديد، وتهمس "عزة جمالك فين.. من غير ذليل يهواك"، لترسي قواعد الكبرياء الذي يمتزج بالخضوع الطوعي لسطوة الجمال.

وفي تلك الحقبة الذهبية للفن، المليئة بالسحر والبيان، كان فريد الأطرش، أمير الشجن، يغني بصوته الذي يحمل شجن الشرق كله. كان فريد يبكي على عوده فيُبكي معه الملايين. كان يغني للحرمان وللفراق، نعم، ولكنه حرمان يفيض بالرجاء، وفراق يجعلك تتعاطف مع المحب وتتمنى له الوصل بدموع صادقة. لم نسمع فريد يومًا يتوعد من هجره أو يتمنى له الهلاك، بل كان يتألم في صمت، يصيغ من جراحه ألحانًا تخلد في وجدان الزمان، يغني "أول همسة" و"الربيع"، ويظل شاهدًا على أن الحب أسمى من أن يتلوث بأحقاد البشر.

وماذا عن العندليب الأسمر، عبد الحليم حافظ؟ ذلك الشاب النحيل الذي حمل قلبه المنهك على كفه، ومضى ينثر ورود العشق في دروب العاشقين. كان عبد الحليم يجسد الحب بكل انكساراته وانتصاراته، يغني "أهواك وأتمنى لو أنساك"، ليعبر عن أقصى درجات الصراع الداخلي بين العقل والقلب، ولكن القلب دائمًا ما كان ينتصر لأنه الأنقى. كان يغني "موعود" ويشكو من عذاب الهوى، لكنه عذاب محبب، عذاب يطهر الروح ويسمو بها فوق صغائر الأمور. لم نسمع حليمًا يومًا يشتم حبيبته، أو يتمنى لها التعاسة، أو يقلل من شأنها ليُشبع غروره المجروح، بل كان يظل على عهده، مخلصًا لذكراها، متيمًا بطيفها، مناجيًا إياها في "رسالة من تحت الماء" وكأنه يلقي بآخر أنفاسه على مذبح العشق فداءً لمن يهوى.

ثم نقف لبرهة، ونتأمل بموضوعية وحزن إلى أغاني عصرنا الحالي، ولنستمع إلى ما تبثه المنابر الموسيقية والمنصات الرقمية. لنجد أنفسنا أمام فجوة مرعبة وهوة شاسعة لا يمكن جسرها. لقد تحولت الأغاني التي كانت يومًا مرآة للقلوب العاشقة الرقيقة، إلى كلمات معظمها تعج بالهجر، والحرمان، بل والانتقام والتوعد. أين اختفت تلك الرقة؟

نستمع اليوم إلى أغانٍ تفيض كلماتها بالجفاء، محب يتوعد محبوبه بالندم العاصف، وعاشق يتفاخر بقدرته على الهجر والنسيان في بضع لحظات، وآخر يغني متشمتاً في سقوط من كان يدعي حبه. وكأن المشاعر الإنسانية أصبحت قمصانًا نرتديها ونخلعها متى شئنا بلا أدنى شعور بالأسف أو الحنين.

لقد تشوهت مفاهيمنا عن الحب، وتحول في نفوس الكثيرين من "حالة روحية" إلى مجرد "صفقة عاطفية" خاضعة لحسابات الربح والخسارة وتضخم "الأنا". إذا تأخرت المكاسب، يتم إلغاء الصفقة فورًا، وتبدأ حرب استرداد الكبرياء الوهمي. لقد امتلأت نفوسنا بالخوف من الآخر، بالشك المفرط، وبالرغبة المحمومة في حماية أنفسنا من الانكسار، فبنينا حول قلوبنا أسوارًا من الشوك، واستبقنا الألم بالهجوم المتبادل وإشهار سيوف الكلمات القاطعة.

أين نحن اليوم من رائعة "الأطلال"، حيث يقف المحب مناجيًا، يطلب الحرية لقلبه دون أن يلعن حبه القديم؟ في تلك الروائع، كان هناك سمو في الحزن، ورقي في الفراق، وطهارة في المعاناة. كان المحب يترك حبيبه ويدعو له بالسعادة من أعماق قلبه، لا أن يتوعده بسوء العاقبة وسواد الأيام.

الرومانسية الحقيقية ليست ضعفًا كما يظن بعضنا اليوم، بل هي قمة القوة الإنسانية. أن تحب يعني أن تفتح صدرك للحياة وللآخر، متقبلًا جراحها وأفراحها بقلب شجاع لا يهاب النزف. أبطال أغاني الأمس كانوا فرسانًا في عشقهم، لا يقبلون الضيم بالتأكيد، لكنهم لا يتخلون أبدًا عن نبلهم وشهامتهم العاطفية.

أغمضوا أعينكم واستمعوا إلى دقات قلوبكم وهي تتناغم وتعاتب برقي وتغني وتقول:

"كل ده كان ليه.. لما شفت عينيه؟
حن قلبي إليه.. وانشغلت عليه"
هنري ماكسويل