المحطة التالية: المراشدة

بقلم هنري ماكسويل

هذه قصة حسب رغبة القراء، كُتبت بلغة تجمع بين الفصحى ولمسة خفيفة من العامية، بما يخدم طبيعة السرد.

أنا اسمي ياسر... ياسر عبد الرحيم.

طوال حياتي لم أركب قطارًا واحدًا. كانت أمي تمتلك كراهية غير مبررة للقطارات، وكانت دائمة التحذير لي منها، تردد دائمًا والذعر يطل من عينيها: "الأتوبيس أحسن بكتير يا بني". وحقيقي، عمري ما عرفت سببًا منطقيًا لهذا الكره الدفين، ولماذا كانت تفضل أن نهلك من التعب في السفر على الطريق الزراعي، على أن نركب قطارًا مريحًا. لم أفهم سرها قط، ولم أجادلها فيه يومًا... إلى الآن. إلى تلك الليلة.

٦ يناير ٢٠٢٦.

كان لزاما علي أن أنزل إلى قريتي في الصعيد لإنهاء أوراق إرث أمي. فقررت لأول مرة في حياتي أن أركب القطار. استيقظت على صوت المذياع يبث نشرة جوية تحذر من يوم ممطر، أمطار رعدية لا تتوقف، وبرق يمزق كبد السماء.

مع أن الساعة كانت العاشرة صباحًا، إلا أن السماء كانت ملبدة بغيوم سوداء ثقيلة محملة بالأمطار، جعلت النهار يبدو وكأننا في وقت العشاء.

في محطة رمسيس، وقفت أمام شباك التذاكر. خلف الزجاج، جلس رجل في نهاية الخمسينيات، وجهه منهك تسكنه تجاعيد الإرهاق وعيناه محاطتان بهالات سوداء كأنه لم ينم منذ قرن. سألني عن المحطة المراد الوصول إليها، فقلت ببساطة:
"قنا."
"ماشي.. القطر هيطلع كمان ساعة، من رصيف ٤"
قلت له وأنا أنظر لساعتي:
"لا، أنا مش جاهز دلوقتي، خليني في قطر ثلاثة العصر."

هنا، شعرت أن الرجل انتفض للحظة، كأن تيارا كهربائيا صعقه. توقفت ورفع عينيه إلي، ثم التفت ببطء لينظر إلى نتيجة حائط ورقية معلقة بجانبه، وقال بصوت مهزوز:

"ما بلاش يا بني قطر ثلاثة ده.. ده مفيهوش درجة أولى ولا تانية، كله درجة تالتة، وبيقف في محطات كتير، لا هتستريح في السفر، ولا..."
قاطعته بصرامة:
"بس انا عاوز اسافر الساعة ثلاثة."

صمت الرجل تماما. هز رأسه ببطء، كمن يسلم شخصا لحبل المشنقة، طبع التذكرة وأعطاني إياها. وحين استدرت لأمضي، التفت خلفي للحظة، وجدته واقفا يتابعني بنظرة غريبة، وظل يحدق بي حتى اختفيت تماما من أنظاره.

عدت إلى البيت، وصوت المطر الذي بدأ في التساقط يبعث على الكآبة. حملت حقيبتي الصغيرة وملف ازرق يحتوي علي الأوراق، وخرجت من المنزل.

كان الطريق إلى رمسيس غارقا في المطر، والوحل، والظلام الغريب. المحطة كانت تبدو كوحش يبتلع المسافرين. بمجرد أن وطأت قدماي الرصيف، صفعني هدوء مقبض. قطار الثالثة كان يقبع هناك كجثة حديدية هامدة. لم يكن القطار غير ممتلئ فحسب، بل كان خاويًا بطريقة غامضة إلا من أثنين من المسافرين. عرباته الطويلة تسبح في إضاءة نيون شاحبة، كأن غريزة بقاء حيوانية حذرت الركاب في اللحظة الأخيرة من الصعود، ففروا بجلودهم وهربوا منه ذعرًا، تاركين وراءهم هذا الفراغ الموحش.

كان الهواء داخل القطار خانقًا، يسبح في إضاءة نيون شاحبة تتذبذب مع كل مطب. أمامي مباشرة، جلس عسكري شاب، يضم حقيبة قماشية رثة إلى صدره كأنها درعه الأخير في هذا العالم، وعيناه زائغتان تنمان عن حرمان طويل من النوم. وعلى يمينه جلس رجل بدين، مفرط التعرق، ضخم الجثة، له شارب مصبوغ، يرتدي قميصا لامعا تفوح منه رائحة العرق. من ذلك النوع البشري الذي لا يتوقف عن الثرثرة بصوت عال ليخفي فزعه الداخلي من شيء ما.

عند تخوم "بني سويف"، انخفضت درجة حرارة العربة فجأة. كان بردًا ينخر العظام، بردًا يحمل رائحة لحمًا محترق، وتراب القبور.
المقعد الذي بجانبي كان خاليا، ثم، صار مشغولا.

أقسم لك بكل ما هو مقدس، لم أره يصعد، ولم أسمع وقع خطواته في الممر، ولم أشعر باهتزاز المقعد حين جلس. كأنه ظهر من العدم إلى الوجود مباشرة.

كان رجلا عجوزا، نحيلا إلى حد يثير الشفقة والاشمئزاز معًا. جلده يشبه ورق الجرائد المبلل القديم مشدودا فوق هيكل عظمي، وله جبهة عريضة تلمع بعرق غير طبيعي، وعينان غائرتان في حفرتين مظلمتين لا تعكسان أي ضوء. كان يضع حقيبة جلدية متشققة، تبدو كأنها صنعت من جلد مسلوخ، على ركبتيه المدببتين كسكاكين.

ظل للحظة يحدق في طرف تذكرتي البارز من جيب قميصي لدقيقة كاملة، لم يرمش خلالها مرة واحدة. ثم أدار عنقه نحوي ببطء مرعب.. لدرجة أنني تخيلت أنني أسمع طقطقة فقرات عنقه الجافة. وفتح فمه ليقول:
"إنت نازل قنا؟"

انتفضت في جلستي، حاولت أن أخفي ارتعاشة يدي، وابتلعت ريقي الذي أصبح طعمه كالرماد، وادعيت الثبات:
"أيوه."
هز رأسه ببطء شديد، وراح يفرك يديه الجافتين اللتين أصدرتا صوتا كاحتكاك ورق الصنفرة:
"أول مرة تنزلها بالليل؟"
ضممت الملف الأزرق إلى صدري كدرع واه لا يحمي من شيء، وقلت:
"أول مرة أنزلها أصلا من سنين طويلة."

ظل يحدق في عيني مباشرة، وعيناه متسعتين بشكل شيطاني. مال نحوي حتى لامست برودة أنفاسه وجهي، وهمس بصوت غرس مخالبه الجليدية في دماغي:
"لو القطر وقف قبل ما توصل هناك... إياك تنزل. سد ودانك وماتنزلش."

أشحت بوجهي عنه لثوان، ثم التفت إليه لأنفجر غاضبا في وجهه، لأشتمه وأطرده من جانبي، لكني وجدت المقعد فارغا. نظرت حولي بهلع، لم يكن في الممر أحد، وباب العربة مغلق. لقد تبخر. وكأن قوانين المادة والفيزياء لا تسري عليه، نطق تحذيره، وعاد إلى العدم.

أقنعت نفسي، كما يفعل كل الحمقى المتمسكين بالمنطق لتفادي الجنون، بأن الإرهاق والحزن وقلة النوم قد أفرزت هذه الهلوسة. عدت أنظر إلى زجاج النافذة، كانت صورتي تنعكس فيه باهتة فوق ظلام الحقول، لكن لثانية واحدة، أقسم أن الانعكاس لم يرمش حين رمشت.

عند الحادية عشرة وأربع عشرة دقيقة قبل منتصف الليل، حدث شيء غير متوقع.

صرخ هيكل القطار المعدني. صوت احتكاك الفرامل الحديدية شق صمت الليل كصرخة حيوان يذبح ببطء. لم يكن توقفا طبيعيا في محطة مجدولة، بل كان تباطؤا مترددا، مريضا، كأن القطار يغوص في بركة من الطين، وكأن السائق يقاوم رغبة عارمة في دهس فرامل الطوارئ والهرب من كابينة القيادة.
انطفأت مصابيح العربة للحظة ثم عادت بضوء أبيض مريض. رفع الراكبين رؤوسهم في فزع. بصق الرجل البدين سبة قذرة ومسح عرقه الغزير. العسكري اعتدل في جلسته، قبض على حقيبته، وقال بصوت مبحوح يرتجف:
"يا ساتر يا رب.. خير؟"

مسحت بخار أنفاسي عن الزجاج وأطللت. لم أر سوى رصيف إسمنتي متهالك، يبتلعه ظلام حقيقي، يمكنك أن تلمسه بيدك وتختنق به. مبنى حجري منخفض يشبه القبو الجماعي، وفوق بابه مصباح أصفر يلقي ضوءا شاحبا يتأرجح مصدرًا أزيزًا كهربائيًا منفرًا. وعلى لافتة معدنية تآكلها الصدأ ليظهر تحته لون كالدم المتخثر، برز الاسم :
"المراشده."

فجأة، انطلق صوت سائق القطار من السماعة الداخلية المهترئة. لم يكن صوته المعتاد، بل كان صوت رجل يرتعد رعبا، يتحدث بسرعة كمن يهرب من شيء، أو إلى شيء:
"اللي نازل المراشده ينزل فورا.. بقية الركاب يفضلوا في أماكنهم جوه القطر! محدش يفتح الأبواب ومحدش يبص من الشباك.. قدامنا إشارة حمراء هننتظر ثواني لغاية ما تفتح.. إياكم حد ينزل!"

حملت حقيبتي ونزلت، فالمراشده اقرب من قنا لبيتي، وبدافع من غباء القطيع، والملل، والاختناق داخل العربة التي أصبحت كالقبر، خالف الرجل البدين والعسكري التعليمات ونزلا خلفي.

بمجرد أن وطأت قدمي الرصيف، أدركت أن هناك شيئا خاطئا بشدة في تكوين هذا المكان. هواء الصعيد في تلك الليلة لم يكن هواء طبيعيا، بل كان هواء جافا، باردا، يحمل ذرات من تراب يلسع الجلد كالإبر. والظلام حول الرصيف لم يكن مجرد غياب للضوء، كان حيا، حائطا أسود كثيفا يقف على بعد أمتار قليلة من حدود الرصيف المضاء، كأن العالم ينتهي هناك ليبدأ المجهول.

صدر صرير مريع من باب المبنى الحجري، وخرج منه رجل فارع الطول، يلف جسده النحيل بمعطف صوفي أسود ابتلع ملامحه، ويرفع فانوسًا قديمًا يرتجف نوره. كان رجلًا يقارب السبعين، وجهه به تجاعيد عميقة، وعيناه كانتا ميتتين تماما، عينا رجل رأى الجحيم مراراً وتكراراً حتى خمدت روحه.
نقل الفانوس من يده اليمنى لليسار، وحدق فينا نظرة خالية من أي تعاطف بشري، وقال بصوت خشن:

"اللي هيستنى السكة تفتح يخش يقعد جوه المكتب.. محدش يفضل واقف على الرصيف في الضلمة دي."

أشعل الرجل البدين سيجارته بقداحته، وضحك بصوت عال مستفز ليخفي توتره:
"ليه؟ هو الرصيف بالليل بيعض؟"
ثبت الرجل عينيه على وجه الرجل البدين، وقال ببرود قاتل، برود أوقف الدم في عروقي:
"لا... أكتر من كده."

طريقة نطقه للجملة، والنبرة الجنائزية الخالية من المزاح، جعلت أمعائي تتقلص. ألقى الرجل البدين سيجارته دون وعي ودهسها، ودخلنا جميعا صاغرين خلف الرجل إلى المكتب.

كانت الغرفة عطنه. يفوح منها رائحة تراب، وأوراق قديمة، ولحم محترق. بها كنبة ممزقة تنزف حشوها، ومكتب خشبي تآكلت أطرافه، وعلى الجدار ساعة بندول ضخمة مكسورة الزجاج، عقاربها متوقفة تماما عند الساعة "الحادية عشرة وأربع عشرة دقيقة". وفي الزاوية، جهاز اتصال لاسلكي قديم، مقطوع أسلاكه ومغطى بالصدأ. وعلى الجدار المقابل صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود للمحطة، لكن الوجوه في الصورة كانت مشوشة وممسوحة، كأن أصحابها كانوا يصرخون أثناء التقاطها.

جلس الرجل خلف المكتب، وضع الفانوس أمامه لتتشوه ظلالنا على الجدران كوحوش تتراقص، وخلع نظارته الطبية السميكة يمسحها بطرف جلبابه وقال:
"اسمي جرجس.. أنا ناظر المحطة، أو اللي فاضل منها."
سأله العسكري وهو يفرك كفيه ببعضهما بخوف جلي:
"هو العطل هيطول يا عم جرجس؟"
رفع جرجس عينيه العاريتين، ولمعت فيهما شعلة الفانوس كجمرتين:
"العطل مش في القطر يا عسكري."

أنا أكره هذا النوع من الغموض. الغموض الذي يسبق الكوارث. تقدمت خطوة للأمام وضربت بيدي على سطح المكتب الترابي:
"أومال الإشارة حمرا ليه؟ إيه اللي موقفنا في المقطوعة دي بالظبط؟"

تجاهل سؤالي، لبس نظارته، وحدق في ملامحي لفترة طويلة، طويلة جدا، كأنه يقرأ أفكاري، ثم سألني فجأة بصوت أجش كأنه يأتي من قاع بئر:
"إنت أبن مين؟"
ارتبكت قليلا، لكنني أجبت:
"أنا ياسر.. ياسر عبد الرحيم."

توقفت يده تماما. تجمد لثانيتين، ساد صمت ثقيل لدرجة أنني سمعت طنين الدم في أذني. ثم أنزل يديه ببطء مرعب ووضعهما على المكتب، وصوته انخفض حتى كاد يهمس:
"عبد الرحيم؟... عبد الرحيم اللي كان شغال مساعد إشارات هنا؟"
هبط قلبي في معدتي، وهنا، تذكرت نظرة موظف التذاكر الذي نظر إلى النتيجة! لقد كان يعلم شيئا أجهله أنا!
"أيوه.. إنت كنت تعرف أبويا؟"

مال جرجس في جلسته نحوي، اقترب وجهه من ضوء الفانوس فبدت تجاعيده كأخاديد سوداء، وقال ونبرته تتأرجح بين الشفقة والرعب:
"أعرفه؟.. ده الراجل عاش عمره كله على الرصيف ده."
أطلق الرجل البدين ضحكة سمجة، مصطنعة، ولوح بيده:
"يقصد الله يرحمه يعني."

لم يلتفت جرجس للرجل البدين، كأنه حشرة طنانة. مد يده المرتجفة إلى درج المكتب السفلي، بصرير أوجع أسناني، وأخرج دفترًا أسود ضخمًا، غلافه الجلدي مغطى بطبقة من العفن ومجعد كأنه تعرض لنار شديدة. قلب صفحاته الصفراء الهشة ببطء مستفز، كأنه يقلب في كتاب الموتى، حتى توقف عند صفحة معينة، وأدار الدفتر ببطء نحوي.
كانت الصفحة مسطرة، وفي أعلاها ترويسة مكتوبة بحبر أحمر جاف يشبه الدم القديم المتخثر.

قرأت التاريخ المكتوب في الدفتر بوضوح مريع:
كشف مفقودي حادث المراشده / ٦ يناير ١٩٩١.
مررت عيني المرتجفتين على الأسماء المكتوبة بخط يدوي، حتى تجمدت عيناي، وتوقف قلبي عن النبض حرفيا عند السطر الرابع، كأنه كتب بنار:
"عبد الرحيم عبد العال " مساعد إشارات، "لم يعثر عليه".

تراجعت خطوة للوراء واصطدمت بالكنبة. نطقت بصوت لم أتعرف عليه، صوت شخص يختنق ويقطر ضياعًا:
"إنت مجنون؟ أبويا مات في حادثة قطر؟! أمي طول عمرها بتقولي إنه مات في سريره وإحنا في القاهرة!"

ضم جرجس يديه فوق الدفتر، وظهرت على وجهه ابتسامة مريرة، سوداء، وتنهيدة محملة بالأسى خرجت من صدره:
"لو كان مات في سريره يا بني.. كان هيبقى أسهل. الموت المريح نعمة."
وقف العسكري وتراجع نحو الباب، بينما تصبب العرق من جبهة الرجل البدين الذي سقطت سيجارته من يده، وعيناه تتنقلان بيننا في رعب حقيقي:
"إنت.. إنت بتقول إيه يا راجل إنت؟"

تنهد جرجس، كمن يستعد للغوص في مستنقع من الجيف، وبدأ يحكي، وصوته ينخفض تدريجيا حتى صار أقرب للهمس:

"ليلة ٦ يناير ١٩٩١، في نفس التوقيت ده بالظبط.. الساعة ١١:١٤ مساء. الدنيا ضباب يغمي العين. قطر بضائع داخل على تحويلة غلط بسرعة مجنونة، وقابل قطر ركاب جاي من الاتجاه العكسي. نار، ودخان، وصويت، وجثث، وناس بتتشوي جوه القَطر، وكهربا مقطوعة. أبوك كان في النبطشية، وأنا كنت معاه. فضلنا نمد إيدينا ونسحب من الناس من وسط الخراب وننادي على المصابين. وبعدها.. وسط كل الجحيم ده.."

توقف جرجس، ابتلع ريقه بصعوبة بالغة، وعيناه تتسعان كأنه يرى المشهد الآن أمامه.
"السماعة بتاعت المحطة اللي بره ع الرصيف اشتغلت."
قطب الرجل البدين حاجبيه وصرخ بهستيريا خفيفة وصوته يرتعش:
"سماعة إيه؟ مش بتقول حادثة ودمار والكهربا مقطوعة؟"

ضرب جرجس بقبضته على المكتب بغضب مكتوم:
"أيوه اشتغلت! مع إن الكهرباء في المركز كله كانت مقطوعة، والسماعة نفسها العمود بتاعها كان سايح من حرارة النار. مفيش أسلاك.. بس اشتغلت. بدأ يطلع منها صوت خروشة.. وبعدين بدأت تنادي أسماء."
سألت بصوت أبح، وأنا أرتجف، والجفاف يمزق حلقي:
"أسماء مين؟"

قال جرجس، يضغط على كلماته كأنه يبصق سمًا:
"أسماء المصابين والركاب. بس السماعة مكنتش بتنادي بطريقة طبيعية... لأ. كل واحد كان بيسمع اسمه بيتنادي بصوت أكتر حد بيحبه في الدنيا. اللي يسمع صوت أمه بتعيط وتناديله، واللي يسمع صوت مراته بتستنجد بيه، واللي يسمع صوت عياله بيصرخوا. واللي كان قلبه يضعف..."

نظر جرجس إلى باب المكتب برعب حقيقي وأكمل:
"ويرد..."
أكملت أنا نيابة عنه، وأسناني تصطك:
"كان بيختفي."
أومأ جرجس برأسه بحزن عميق:
"أيوه. الضلمة كانت بتنزل عليه زي كفن أسود وتاخده. من غير أثر. من غير جثة. من غير نقطة دم. كأنه مكنش موجود."

تصنع الرجل البدين ضحكة هستيرية متقطعة يمسح بها العرق الغزير عن رقبته:
"والله حكايات! كل محطة قديمة لازم يبقى لها أسطورة."
التفت إليه جرجس بنظرة حادة كشفرة سكين، وقال بجمود مرعب:
"الله يسهلك... بس أول ما تسمع حد بينادي عليك بره... ابقى افتكر إنك ضحكت، وإياك ترد. اكتم صوتك."

وفي تلك اللحظة بالذات... وكأن الكيان القابع في الخارج كان ينتظر هذه الجملة ليعطي إشارته، ويقرر إثبات صحة الكابوس.
سمعنا صوت طنين عال ثقب آذاننا. جاء من الخارج. من السماعة المحترقة المعلقة على عمود الرصيف.
صوت أزيز كهربائي مرعب، يشبه احتكاك نصل حاد، ثم صدر صوت نسائي حنون، ناعم، دافئ، يقطر لوعة ورجاء وبكاء:
"محمود جلال، إنت فين؟"

تصلبت أجسادنا الأربعة في المكتب كالتماثيل. توقف الهواء في رئتي. نظرنا من نافذة المكتب المغبرة. رأينا العسكري الشاب "محمود" الذي كان يقف معنا منذ قليل قد خرج دون أن ندرك أو نسمع صوت الباب! كان يقف في منتصف الرصيف، ظهره لنا، ورأسه مائل بشدة إلى الجانب كأنه يصغي لعتاب رقيق لا نسمعه نحن.
وبنبرة منومة مغناطيسيا، خالية تماما من الإرادة البشرية، مسلوبة كدمية قطعت خيوطها، رد الشاب بصوت هادئ ومستسلم مليء بالشوق:
"أنا أهوه يامه، حاضر، أنا جاي."

وثب جرجس من خلف مكتبه كالقط البري، ركل الكرسي واندفع نحو الباب حاملا الفانوس، يصرخ بهستيريا وهو يلوح بيده بجنون. تبعناه أنا والبدين بلا تفكير.
كان المشهد على الرصيف لا يمت للمنطق، الشاب يسير بخطوات بطيئة، نحو حافة الرصيف، نحو الظلام.

صرخ جرجس بأعلى صوته:
"اقف عندك يا عسكري! يا ابني ارجع! إياك ترد! دي مش أمك! إوعى تخطي خطوة بره النور!"
لكن المجند لم يلتفت. لم يرمش له جفن. نزل بقدمه من الرصيف إلى شريط القطار، ومشى نحو حائط الظلام. لم نره يسقط. بمجرد أن تخطى دائرة ضوء المصباح الأصفر، ذاب.

رأيت بأم عيني كيف انطوى الهواء حوله كفم وحش هلامي أسود ابتلعه بلا مضغ. اختفى تمامًا. لم نسمع حتى صوت صرير الحصى تحت حذائه بعد أن تجاوز خط الظلام. أختفى ولم يبق منه سوى حقيبته الملقاة على الرصيف.
تراجع الرجل البدين للوراء حتى التصق بالجدار الخارجي للمكتب، وسقط على ركبتيه، وبدأ يشهق كطفل صغير، وعيناه جاحظتان تكادان تخرجان من محجريهما:

"إيه ده؟! إيه اللي بيحصل ده يارب؟! أنا عايز أركب القطر!"
أمسكه جرجس من ياقة قميصه اللامع وسحبه للداخل وهزه بعنف شديد:
"لو طلعت القطر دلوقتي الضلمة هتاكلك! ادخلوا جوه ومحدش يتحرك! حطوا إيديكم على ودانكم واخرسوا!"
عدنا إلى المكتب وسحبنا الباب خلفنا وأغلقناه بالترباس.

جلست على الأرض ألهث، أشعر بالغثيان، صدري يعلو ويهبط كمن يغرق. وقف جرجس بجانبي، يمسح وجهه المندى بالعرق البارد، ينظر إلي بنظرة ملؤها الشفقة القاتلة:
"أمك كانت فاهمة السر، علشان كده عمرها ما ركبتك قطر."
رفعت عيني المليئتين بالدموع نحوه، وعقلي يرفض استيعاب كل هذا الجنون:
"وإنت عرفت منين؟"

قال وهو يشيح بنظره إلى الدفتر:
"لأن أمك جات هنا بعد الحادث بشهر، وجابتك على إيديها، وسألتني لو الندا ممكن يرجع تاني، فقولتلها يمكن، ومن ساعتها ما بتركبش غير الأتوبيس."
أاحسست بوخزة في معدتي:
"وأبويا؟"

مسح جرجس على شاربه الأبيض ثم قال:
"يوم الحادثة، كانت أمك جايبة لأبوك العشا، وكانت حامل فيك. الدنيا فوضى والناس بتجري في كل حتة والسماعة بتنادي على الجميع. السماعة وقتها نادت اسم أمك. أمك اتسمرت في مكانها وكانت هترد، فقام أبوك من خوفه عليها، زقها لورا، ووقف مكانها، ورد للسماعة بدالها. قال حاضر.. والضلمة خدته. فداها، وفداك."

سكت لبرهة ثم أكمل:
"اللي حصل مابيخلصش. من يومها واحنا كده. في الذكرى دي من كل سنة، الإشارة بتقلب أحمر، ولازم تصطاد قطر. وتقفل الإشارة، والناس تنزل علشان تسمع أساميها. كل المصلحة عارفة الحكاية، علشان كده بيقعدوا جوه القطر. وينبهوا على الركاب مينزلوش."

وهنا... في وسط هذا السكون المرعب المشبع برائحة الموت... حدث أسوأ كابوس يمكن لعقل بشري أن يتخيله.

لم أسمع الصوت من السماعة بالخارج. ولم أسمعه من الباب.
سمعته يهمس خلف أذني اليسرى مباشرة. كان واضحا إلى درجة جعلت جلدي يقشعر كأن تيارا كهربائيا صعقني.
كان صوت أمي. أمي التي دفنتها بيدي منذ أيام! نادتني بنفس النبرة الحنونة المألوفة التي كانت تستدعيني بها للمدرسة:
"ياسر."

توقف قلبي عن النبض. شلت أطرافي تماما. لم أتحرك. لم أتنفس.
تكرر الهمس، أقرب هذه المرة، مشبعا بالرجاء:
"ياسر.. تعالى يا ابني."

غرزت أظافري في ركبتي بقوة. اقترب جرجس مني، وضع يده الخشنة بقوة على كتفي، وهمس من بين أسنانه المطبقة بحزم مرعب كفحيح الأفعى:
"بص لي يا ياسر. إياك.. إياك تبص وراك."
قلت له وأنا أحدق في الأرضية الخشبية تحت قدمي، والدموع تحرق وجهي:
"ده صوت أمي.. أمي اللي لسه دافنها من أسبوع!"

رد جرجس وهو يطبق على حافة المكتب بأصابعه:
"ما هي دي المصيبة.. هما بيعرفوا نقطة ضعفك فين، بيستخدموا اللي لسه ميتين طازة علشان الوجع بيبقى لسه حي. ده مش صوتها... ده "الشيء" بيلبس صوتها."

وبحركة سريعة، فتح جرجس درج مكتبه، أخرج قصاصة ورق قديمة مطوية، ودسها أمام عيني المرتجفة.
كانت بخط أبي. الخط المائل المنظم والمميز الذي أعرفه جيدا من أوراقه القديمة في صندوق أمي. كتب عليها باستعجال مبين:
"لو كبر الولد وجه هنا ما تخلوش يسمع الندا، ولو سمعني قولوا له ما يصدقش".

رفعت الورقة وأنا أشعر أن شيئا ينخلع داخلي. ليس الخوف فقط. الخوف شعور ساذج أمام ما أحسست به. هناك نوع آخر من الألم أشد ذلا وقهرا.. أن تبقى خائفا ومسلوب الإرادة، تسمع من تحب يستغيث بك، وتعلم يقينا أن ذهابك إليه يعني هلاكك، ولا تملك سوى العجز.
فجأة، تغير إيقاع الرعب.

سمعنا أصوات خطوات بالخارج. خطوات كثيرة، بطيئة، يجرجر أصحابها أقدامهم على الرصيف. كأن طابورًا من الموتى يمشون بلا هدى.
مر ظل أسود تلو الآخر خلف زجاج نافذة المكتب. رؤوس مشوهة، أطراف ناقصة.
اندفع جرجس وسحب الستارة القماشية المهترئة بسرعة ليغطي النافذة تماما صائحا بصوت محشرج:
"محدش يبص ع الإزاز!"
سأل البدين، الذي تحول لونه إلى الرمادي، وبلع ريقه بصعوبة بالغة:
"في إيه بره؟"
رد جرجس وعيناه مغلقتان بقوة:
"دول اللي الضلمة بلعتهم على مر السنين وما لقيناش لهم جثث... راجعين الليلة دي يدوروا على بديل."

كان من الممكن جدا أن أدعي البطولة، أن أقول لك إنني تماسكت، وإنني ضحكت في وجه الخوف، لكنني لن أكون صادقا. الصدق العاري، المخجل، هو أن جزءا مني، جزءا مريضا محطما، كان مستعدا أن يفتح الباب ويجري إلى الرصيف الأعمى لو سمع أبي يناديني مرة واحدة أخرى، فقط لأرتاح من هذا العذاب.
ولأن العالم يحب اختبار أكثر ما نخافه ويضربنا في مقتل..
فقد نادت السماعة الخارجية فعلا. بصوت عال هذه المرة:
"عبد الرحيم عبد العال."

ثم، بعد ثانية من الصمت المطبق، جاءني صوت رجل لم أسمعه في عمري إلا في شرائط الكاسيت القديمة والحكايات. صوت عميق، حزين، يفيض بالألم والتوسل:
"ياسر، أنا هنا."
ارتفع رأسي تلقائيا نحو الباب. الكيان لم يكتف بأمي، بل استخدم أبي أيضا كفخ مزدوج!
نادى الصوت مرة أخرى، بانكسار وبكاء حقيقي مزق نياط قلبي:
"تعال خدني وروحني يا ياسر.. أنا تعبت."
أحسست بأن دموعي تسبقني إلى الكارثة. نهضت أترنح نحو الباب، مستعدا لتسليم نفسي.

لكن جرجس انقض علي، قبض على كتفي بقوة، وضغطني نحو الجدار، وقال وهو يهزني:
"لو اتحركت ناحية الباب هربطك! أبوك كتب بنفسه ما تصدقوش! عايز تضيع تضحيته؟"
أما الرجل البدين... حدث له شيء مرعب، شيء يكسر حدود العقل.
رفع رأسه ببطء. عيناه لم تعودا بشريتين. كانتا محتقنتين بالدم، وملامح وجهه ترتخي وكأن إرادته استسلمت تماما. قال وهو ينظر إلي، بصوت أجوف فارغ من الحياة لا يشبه صوته:
"رد يا ابني.. روح لأهلك.. يمكن ترتاح من الوجع ده.. ونرتاح كلنا."

وفي تلك اللحظة المجنونة، وبلا أي مقدمات، نهض الرجل البدين، وبقوة وحشية خارقة لا تتناسب مع وزنه وترهله، واتجه إلى الباب. حاول جرجس أن يمسك ذراعه ويمنعه، لكن الرجل البدين دفعه بعنف أسقطه أرضا، وشرع يفتح مزلاج الباب الخشبي ويخرج للرصيف.
وفي الكسر من الثانية الذي فتح فيه الباب، وقبل أن يغلق خلف الرجل البدين، نظرت إلى النافذة المظلمة. رأيت انعكاس الرجل البدين على زجاج الباب الخارجي.
لم يكن وجهه، أقسم بكل ما هو مقدس، كان وجهي أنا!
عيناي أنا المتسعتان رعبا. وجهي الشاحب، المرعوب، مشوها بابتسامة شيطانية واسعة جدا، هو الذي كان مركبا على جسده الضخم المكتنز في الانعكاس! الكيان في الخارج كان يراهن علي، وحين منعه جرجس، تلبس الرجل البدين بوجهي واستخدمه كبديل رخيص لي حين عجز عن سحبي!
انغلق الباب. انقطع صراخ الرياح والهمهمات والخطوات فجأة بسرعة مخيفة. ساد صمت مطبق.
مرت ثوان كالدهر. ثم سمعنا من الخارج، من مسافة بعيدة جدا في عمق الظلام المظلم، صوت الرجل البدين نفسه يصدح في الفراغ بهدوء استسلامي مطلق ورضا تام:
"حاضر، أنا جيت بَدَل ياسر."

وما حدث بعدها سيظل يفترس أحلامي حتى أموت.
اشتغلت جميع سماعات المحطة المعطلة دفعة واحدة. انفجرت في صرير يصم الأذان، وصفير هواء عاصف، وأصوات متداخلة. ثم تلاشت الأصوات تدريجيا، لتنطق السماعة ببرود مطلق، لا حياة فيه:
"تم استلام البديـــل."
أعقبها صوت إشارة القطار وهي تتحول للأخضر، ثم صافرة قطارنا الطويلة، الحادة.

نهض جرجس من الأرض وهو يلهث، يترنح، التقط فانوسه، وأشاح بوجهه عني بصوت منكسر:
"خلاص سمحلكم بالرحيل.. أول ما القطر يتحرك اركبه، وإياك، إياك تبص من الشباك أو وراك مهما سمعت!"
سندت نفسي على الحائط لأقف، سألته بوهن:
"وأنت؟"
هز كتفيه من غير أن ينظر إلي، وبدا كشبح من الماضي، عيناه ميتتان:
"أنا دوري خلص من زمان.. أنا مكتوب علي أفضل هنا للنهاية... أكتب أسامي اللي راحوا.. واللي هيروحوا."

بعد دقيقة، سمعنا صفارة القطار معلنة التحرك. خرجت ركضا إلى الرصيف كالمجنون. الهواء كان أثقل من الرصاص، والظلام يزحف نحوي كحيوان مفترس. شعرت أثناء ركضي أن الرصيف يطول ويتمطط كالمطاط بشكل كابوسي وغير منطقي لمنعي من الوصول.

وعندما وضعت قدمي أخيرا على سلم العربة المعدني، والقطار يبدأ في التحرك البطيء، سمعت صوت أبي قرب أذني تماما. يهمس ببرودة القبور:
"بص لي مرة واحدة بس."

ولأن الإنسان أضعف من أن يقاوم كل شيء مرة واحدة، ولأن العاطفة تخون العقل دائما.. فقد التفت.
يا ليتني عميت قبل أن ألتفت.
رأيته واقفا على حافة الرصيف، خارج دائرة الضوء الأصفر المريض. أو شيء يشبه أبي. رجل في أواخر الخمسينات، بملامح رأيتها قديما في صورة وحيدة احتفظت بها أمي في درجها. وجهه شاحب أكثر من اللازم، وعيناه واسعتان بلا رموش، وعلى قميصه بقع سوداء كأن نارا قديمة مسته.
كان يبتسم ابتسامة متعبة. وقال وهو يميل رأسه بطريقة غير بشرية، بصوت يتساقط منه الدود:
"تعبت."

هذه الكلمة وحدها، وهذا المشهد، كانا كفيلين بأن يدفعاني للجنون وإلقاء نفسي للنزول إليه.
لكنني رأيت شيئا أنقذ عقلي من الانقياد له، رأيت ظله المسقط على الرصيف، لم يكن ظله متصلا به!
كان الظل منفصلا، يقف متأخرا عنه بخطوة كاملة. ولم يكن يتخذ شكل إنسان. كان يتخذ شكل كتلة هلامية ضخمة ومشوهة، تتلوى وتنبض، وتمتد نحو قدمي لتسحبني! كأن الكيان الشيطاني يرتدي أبي وصورته كقناع قذر، يقف خلفه ويحركه كدمية ليصطادني به!
صعدت إلى العربة، وأغلقت الباب والشباك بكل ما أملك من قوة وأحكمت قفلهما.

تحرك القطار مبتعدا عن المحطة الملعونة واكتسب سرعته. ارتميت على الأرضية المعدنية للعربة، أقبض على حافة المقعد حتى آلمتني أصابعي وأنا أرتعد.
في تلك الليلة، سمعت كل شيء من خلف زجاج النوافذ المغلقة.
سمعت أمي، وأبي، واسمي، ووقع خطوات كثيرة تركض بمحاذاة القطار وهو يرحل، تريد أن تتعلق به لعلها تجد فيه الخلاص.
وسمعت، من بعيد جدا، ضحكة الرجل البدين الهستيرية المجنونة، قبل أن يختفي في الظلام.
ثم... صمت كل شيء.

وصلت إلى البلد عند الفجر. أنهيت الأوراق وعدت إلى القاهرة في اليوم نفسه بالأتوبيس.
قلت لنفسي ما يقوله الجبناء دائما حين تصفعهم الحقيقة هربا من الجنون: صدمة وحزن، إرهاق، وقصة قديمة ضخمها خيالي.
مر شهر. ثم شهران. لم أحك لأحد. لأن من يسمعني سيطلق علي حكما من احتمالين لا ثالث لهما: إما كذاب، أو مجنون. وأنا لم أكن أرغب في أي من اللقبين.
ظننت أن الكابوس انتهى، وأنني نجوت. حتى حدث الشيء الذي أجبرني على كتابة كل هذا.

كنت في محطة مترو عادية جدا وسط القاهرة، زحام طبيعي، وجوه طبيعية، وفي الحادية عشرة وأربعة عشرة دقيقة.
فجأة... انقطع التيار الكهربائي لخمس ثوان فقط، ثم عاد.
وفي تلك الفترة، اشتغلت السماعة فوق رأسي. لم تقل شيئا عن اتجاه القطار ولا عن الأبواب. قالت جملة واحدة واضحة جدا، موجهة لي وحدي:
"ياسر عبد الرحيم، تم تأجيل الاستلام للعام القادم."

ولما عاد النور، كانت شاشة الإعلانات كلها سوداء، إلا من سطر أبيض صغير في الأسفل، اختفى بسرعة قبل أن ينتبه له أحد:
"المحطة التالية: المراشدة."

لتفت لكي أخرج من المحطة هاربًا، لكني فوجئت بأن الركاب حولي قد توقفوا عن حركتهم. كانوا ينظرون إلي بدهشة كبيرة، رعب خالص يطل من أعينهم، والبعض يتراجع للخلف ويؤشر علي بأصابع مرتعشة. لم أنتظر لأفهم ما يرون، ركضت كالمجنون شاقًا الزحام، وصعدت درجات السلم إلى الشارع.

ركبت سيارة أجرة ودخلت شقتي كالعاصفة. توجهت مسرعًا إلى مرآة الحمام الصغيرة، أبحث عن تشوه أو مس شيطاني، لكن.. لم أر شيئًا! تفحصت ملامحي، كان وجهي طبيعيًا تمامًا، شاحبًا يتصبب عرقًا، لكنه وجهي الذي أعرفه. تنفست الصعداء، وظننت أن نظرات الناس كانت بسبب هلعي ليس إلا.

ذهبت إلى المطبخ لأعد كوبًا من الشاي يهدئ أعصابي التالفة، ثم دخلت لغرفة نومي لتغيير ملابسي. وإذ بي وأنا أستدير، أتسمر في مكاني.. وسقط كوب الشاي من يدي ليتحطم على الأرض.
نظرت في مرآة الدولاب.. كان هناك شيء يتحرك على الحائط خلفي!
كان خيالي!

ظلي الذي انفصل عني تمامًا، وأصبح يتحرك الآن كيفما يشاء بمعزل عن حركتي! أنا أقف متخشبًا لا أتحرك، بينما ظلي يتمطى على الحائط ويرفع ذراعه. لم أصدق عيني، ظننت أن الهلاوس أصابتني وأن عقلي قد انهار. انكمشت في زاوية الغرفة أرتعد، ولم أدر ماذا أفعل.

مر شهر كامل.
شهر شعرت فيه بتكيف مرضي مع اللعنة. أصبحت أختار الأماكن المظلمة دائمًا، الأركان العتمة التي لا يظهر فيها الخيال. أصبحت أخاف الضوء؛ لأن النور يفضح حقيقتي المرعبة ويثبت لي أنني لم أعد مكتملًا. صرت أنام في الظلام الخافت، وأنا أراقب بخوف خيالي وهو يتحرك على الحائط وحده، كأنه يستعد لشيء ما.

لكن اليوم.. حدث التحول المرعب.
استيقظت من النوم، ونظرت حولي فلم أر خيالي. تفحصت الحائط والأرض، لم يكن هناك أي ظل. قفز قلبي من الفرحة، قلت إنه اختفى! ظننت أن اللعنة زالت وانتهى الكابوس وتركني هذا الكيان لحالي.

نهضت بسعادة غامرة، وذهبت لأرتدي ملابسي للخروج إلى النور أخيرًا. توقفت ونظرت للمرآة..
فلم أجد انعكاسي!
وبدلًا مني، كان ظلي الأسود المفقود يقف داخل المرآة، يبتسم لي بسخرية مرعبة، وبإصبعه المكون من العتمة، كتب لي على الزجاج من الداخل جملة واحدة، وبنفس خط أبي المائل:
" المحطة التالية: المراشده."

وأنتم.. يا من تقرأون كلماتي هذه، لو كنتم مكاني، وسمعتم في أي محطة صوت يناديكم، صوت أحب الناس ليكم،
هتقولوا حاضر؟
ولا... لأ؟

هنري ماكسويل